.
.
.
.

الأراضي: هل نتحمّل تبعات الإصلاح؟

فواز بن حمد الفواز

نشر في: آخر تحديث:

جاء على لسان وزارة البلديات الاستعانة بفتوى لا تجيز الضرائب على الأراضي. وجاء على لسان الشيخ سعد الخثلان عضو هيئة كِبار العلماء، وجوب الزكاة على الأراضي، وقد سبق أن أشرنا إلى دراسة للشيخ أبو زيد - رحمه الله - عن رأي وسطي غير واضح.

في هذا الوسط العائم تضيع قدرتنا أو لعلها عدم قدرتنا على رسم النهج المعنوي والأخلاقي، مما يؤثر سلبا في قدرتنا على تحديد الخيارات الاقتصادية لواحد من أهم المرافق، بل إن الخلط بين القاعدتَيْن النظامية والعملية مصدرٌ للفوضى الفكرية ويفقد المجتمع فرصة البناء المؤسساتي.

المراقب لهذا النقاش البيزنطي لا تفوته ملاحظة أن التنازل عن موضوعية النقاش الفكري ينتهي بالتنازل عن الاهتمام بالتنمية، لذلك فإن الاستحقاق الاقتصادي لإصلاح قطاع الأراضي أصبح مجال نقاش غير موضوعي، مما يزيد صعوبة تحويل النقاش إلى سياسة تخدم المجتمع والاقتصاد. فمن يستطع تجاوز الأبعاد الأخلاقية والمعنوية في العدالة لن يجد الاستحقاقات الاقتصادية ذات أهمية تُذكر.

السياق العام المثبت تاريخياً للتنمية الاقتصادية يتطلب نظاماً ضريبياً شاملاً للجميع. هناك رابطٌ مباشرٌ بين معاملة الجميع بالتساوي ومصلحة الفرد المباشرة في السكن وجودة الحياة الحضرية والارتباط بالمكان كمصدرٍ لتعميق الشرعية وقاعدةٍ لانطلاقة تنموية إنتاجية.

الانطلاقة الإنتاجية مختلفة في العقل والوجدان والممارسة عن نموذج الإدارة الاقتصادية القائم اليوم على مصروفات حكومية لتثبيت نموذج استهلاكي غير قابل للاستمرار. إحدى إشكاليات النموذج الوطني للتنمية أنه لم يمر بحقبة إصلاح الأراضي التي أصبحت سبباً مباشراً لسوء توزيع الدخل في اقتصاد أسهل وأكبر مصدر الثروة فيه ليس الإنتاجية، بل التوزيع والملكية، وخاصة لما تكون دون مقابل لتتحول إلى أكبر أصول استثمارية ومضاربية. فهي من ناحية بدأت بسياسة توزيع غير صحية وخدمت الكثير، حيث عملت الحكومة على توزيع كثير منها للمواطنين، ولكن المعادلة في مجملها لم تكن موفقة اقتصادياً وغير مواتية لبلاد فيها نمو حضري وسكاني كبير، واختلاف مؤثر مجتمعياً في تسعير الأراضي بين المدن الصغيرة والكبيرة. وبالتالي وُلدت السياسة مشوّهة وأصبحت إفرازاتها مصدر تنغيصٍ مجتمعي. ولكن لا تقف الأمور هنا، فهناك بُعد تاريخي؛ إذ لم يسبق لأي بلد أن قفز تنموياً دون المرور بعملية إصلاح قطاع الأراضي. يتم الإصلاح عن طريق الزكاة المعروفة من بُعد اقتصادي يخدم المجتمع أو رسم بلدي أو ضرائب. القفز فوق مراحل الإصلاح الاقتصادي الجامع تعبير إما عن إنكار استحقاقات المراحل وإما جهل اقتصادي أو الميل للتمييع والعجز البيروقراطي المصلحي المقيت في وقت قد يكون قاتلاً استراتيجياً.

كتاب "لماذا تفشل الأمم"، كتاب عن تجارب الأمم مروراً بالثورة الإنجليزية في 1688، والثورة الفرنسية في 1789 وغيرهما من الأمم التي فشلت، مثل روسيا ودول أمريكا الجنوبية وإفريقيا والشرق الأوسط. يجمع المؤلفان على أن العامل الحاسم في نجاح الأمم هو تلك الخطوات في السياسة العامة ومنها الاقتصادية التي تأخذ منهجاً جمعياً واضحاً، بمعنى تساوي الجميع، أما سطوة النظام بما تحمل من رسائل أعمق من متطلبات السكن والنهج التوزيعي السطحي الغالب لدينا، فالهدف تحريك الأصول وهيبة النظام وتغليب العمل على التملك، فهذه آلية لجمع الناس على الأعمال المفيدة والعدالة والقبول التدريجي للفرز بين الناس بناءً على الكفاءة وخدمة الوطن والترابط المجتمعي. لن نستطيع التعامل مع تعقيدات الدعم دون المرور على إصلاح قطاع الأراضي، وإذا لم نستطع فسيتسمّم الجسم المجتمعي بما يحمل من مخاطر. المتابع لفشل العراق وسورية ومصر واليمن وغيرها يعرف مخاطر تأجيل التوجّه الإصلاحي. لا أرى أسهل وأوضح من قطاع الأراضي كنقطة انطلاق.

سيختلف العقلاء حول طبيعة الإصلاح وتفاصيله وآلياته، ولكن التأجيل أو التهرُّب خطأ استراتيجي غير مقبول مهما كانت الأعذار. الحل أن يتبنى المجلس الاقتصادي الأعلى البرنامج، على أن يطلع بحلول واضحة في مدة لا تتجاوز ستة أشهر، برنامج من هذا النوع أفضل من دخول المجلس في حلول شمولية فوقية تنظيرية ليس لديه القدرة أو النفوذ للتعامل معها. المصادر المعلوماتية موجودة تحت أرقام الهوية الوطنية لكل فرد، والمسح الجوي والبلدي والربط مع المصارف قائم. ما بقي هو تجسيد الرغبة في تطوير البلاد ووضوح النهج التنموي والعدالة المجتمعية أو تحمل تبعات المماطلة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.