هل يمكننا فهم موطن الخلل؟!

عبد العزيز بن علي المقوشي

نشر في: آخر تحديث:

لم "يصدمني" كثيرا أو يفاجئني الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المحلية حول تذمر خريجي هندسة البترول والغاز الطبيعي السعوديين من جامعات الوطن من عدم توفر وظائف لهم سواء في القطاعات الحكومية أو الخاصة وأن بعض الشركات الأجنبية التي "تتكرم" بتوظيفهم "تتفضل" عليهم بتمكينهم من العمل لديها بمسمى "عامل" بينما يتم توظيف زملائهم الأجانب بمسمى "مهندس".

أما عن السبب وراء عدم اندهاشي أو استغرابي من الأمر فمرده لعدة أسباب أحدها حول تجربة شخصية والآخر حول "هم" وطني كتبت عنه منذ بداية الثمانينيات الميلادية ولازلت أرقبه بشكل دائم دون أي تغير في مجرياته، والتجربة الشخصية تتمثل في أنني عندما كنت أعمل مساعدا لأمين عام الغرفة التجارية الصناعية بالرياض قبل عدة سنوات التقيت "صدفة" بموظف استقبال في أحد المستشفيات الخاصة بالرياض وقد شدني لطفه وحسن تعامله ومتابعته الدقيقة فتواصلت معه بعد أن أنهيت مراجعتي بالمستشفى وعرفت فيما بعد أنه شاب سعودي خريج هندسة بترول من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران وأنه لم يحصل سوى على هذه الوظيفة المؤقتة وبمكافأة مقطوعة قدرها ألفا ريال للعمل كموظف استقبال، استقطبت الشاب للعمل بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض وكان من أميز موظفيها وانتقل بعد ذلك إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية حيث يعمل حاليا وبمرتب يزيد على 17 ألف ريال كما قال لي ذات مرة.

أما ال"هم" الوطني الذي يشغلني ويشغل آخرين فيتمثل في التنسيق "غير الموجود" بين القطاعات الحكومية والخاصة والخيرية أيضا التي تمثل "سوق العمل المحلي" والمنشآت الأكاديمية والتدريبية التي أوجدت فراغا كبيرا بين العرض والطلب في سوق العمل السعودي الأمر الذي جعل نسب البطالة بين السعوديين بارتفاع مع تدفق العمالة الوافدة بارتفاع أيضا!!

كما أن من موجدات هذا الخلل ما تقوم به الجامعات نفسها ففضلا عن أنها تدفع بشباب وشابات بتخصصات لا يحتاجها سوق العمل المحلي فإنها "تجبر" ذوي المعدلات الضعيفة للانخراط في مجالات لا تحظى بإقبال كبير الأمر الذي يجعل مخرجات تلك التخصصات "هزيلة" وبالتالي تحكم على خريجيها الجهات التوظيفية ب"الهزيلة" أيضا الأمر الذي يساهم في ابتعاد القطاعات الخاصة بشكل خاص عن توظيف خريجيها، وكنت ولا أزال أتساءل عن السبب الذي يجعل الجامعات تستمر في تدريس تخصصات لا يحتاجها سوق العمل بينما تتغافل عن التجديد والتطوير في تخصصاتها لتواكب حركة "قوة السوق" بحيث تعمل على توفير مخرجات وطنية قادرة على سد حاجة الوطن بدلا من التوجه نحو استقدام العمالة الأجنبية؟! كما لا أجد مبررا يحول دون توسعنا في مسألة "إعادة التأهيل" للخريجين وهي التجربة التي بدأها معهد الإدارة العامة باقتدار وحقق من خلالها خدمة وطنية يستحق عليها الثناء والإشادة؟!! ثم كيف يمكن أن يتذمر خريجو هندسة البترول من عدم تمكنهم من الحصول على وظائف في مجالهم في وطن أكثر ما يعرف عنه أنه "بلد البترول"!!

حقا .. أن هذا الموضوع يجب أن ينظر إليه بشيء من الشفقة والألم في الوقت نفسه فهو "عصي" على الفهم .. ودمتم.

*نقلا عن صحيفة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.