التحوط لمخاطر تراجع إيرادات الدولة

سعود بن هاشم جليدان
سعود بن هاشم جليدان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

شهدت إيرادات الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية تقلبات حادة بسبب التطورات في أسواق النفط الدولية. وكانت إيرادات الدولة قد وصلت أوجها خلال الطفرة الأولى في عام 1981 عندما بلغت نحو 372 مليار ريال. وأدى تراجع أسعار النفط إلى تدهور قوي في إيرادات الدولة في السنوات التالية حتى تدنت إلى 87.3 مليار ريال في عام 1988، منخفضةً بنسبة 76.5 في المائة في غضون سبع سنوات.

ونتج عن هذا خفض كبير في النفقات، خصوصاً مخصصات المشاريع، كما تم خفض التوظيف وبعض منافع منسوبي الدولة. وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات فقد عانت ميزانية الدولة عجوزات كبيرة لسنوات عدة. وساعد وجود وفورات مالية من فترة السبعينيات في سد العجوزات المالية الكبيرة في بداية الأمر، لكنها استنفدت بسرعة، ما أجبر الدولة على البدء بإصدار سندات الاقتراض وبداية مرحلة الدين الوطني. وأدت العجوزات المتوالية والكبيرة في بعض السنوات إلى نمو الدين الوطني إلى مستويات غير مريحة في نهاية التسعينيات وبداية الألفية.

وعادت إيرادات الدولة إلى النمو البطيء بعد الهبوط الحاد في منتصف الثمانينيات، لكنها ظلت تحت مستويات 200 مليار حتى عام 1999 ريال. ونتج عن هذا عجوزات مالية كان بعضها حاداً كما حصل في عام 1998، كما حدث تباطؤ كبير في الإنفاق على المشاريع، وتم الحد من التوظيف, وخفض الدعم لصناديق التنمية, ونمت المديونية الحكومية. وتحسن الوضع المالي بعض الشيء في عام 2000 وحققت ميزانية الدولة أول فائض لها منذ زمن طويل, لكن عادت العجوزات المالية إلى الظهور في السنتين التاليتين.

وفي عام 2003 بدأت إيرادات الدولة مرحلة نمو قوية واستمرت حتى الوقت الحالي، وكان عام 2009 الاستثناء الوحيد (بسبب الأزمة المالية العالمية وتراجع أسعار النفط). وجاء التحسن في الإيرادات بعد الطفرة الأخيرة في أسعار النفط وتجاوزها عتبة المائة دولار للبرميل. ولم تتجاوز إيرادات الدولة مستوياتها القياسية في عام 1981 إلا في عام 2004، أي بعد 23 عاماً, وكان يعتقد في بداية فترة تراجع أسعار النفط أنها لفترة قصيرة، لكنها استمرت سنوات طويلة. وارتفعت إيرادات الدولة من 293.0 مليار ريال في عام 2003 إلى أن وصلت إلى مستوياتها القياسية عندما بلغت 1247.4 مليار ريال في عام 2012، متضاعفةً بأكثر من أربع مرات خلال فترة تسع سنوات.

وشجع تصاعد الإيرادات على زيادة الصرف، حيث ارتفع الإنفاق الفعلي من 293 مليار ريال في عام 2003 حتى وصل إلى 917.2 مليار ريال في عام 2012 متضاعفاً بأكثر من ثلاث مرات في تسع سنوات. وإضافة إلى ذلك مكنت الزيادات الكبيرة في الإيرادات النفطية الدولة من سداد معظم الدين المحلي الذي وصلت مستوياته إلى نحو 700 مليار ريال في بداية الألفية، لكنها تراجعت بفضل الله إلى نحو 100 مليار ريال في الوقت الحالي. ولم يقتصر الأمر على ذلك، ولكن تم بناء احتياطات مالية ضخمة.

وتتكون إيرادات الدولة بشكل رئيس من إيرادات نفطية وإيرادات غير نفطية. وتشكل الإيرادات النفطية معظم إيرادات الدولة، حيث وصلت نسبتها إلى نحو 92 في المائة من إجمالي الإيرادات في عام 2012. وتواجه إيرادات الدولة مخاطر ليست بالهينة تأتي من تقلبات أسعار النفط التي تحدد إلى درجة كبيرة حجم الإيرادات النفطية. ولمواجهة تلك المخاطر لا بد من صياغة استراتيجية مالية مناسبة للحد من آثارها.

وتتضمن تلك الاستراتيجية ضروة الحد من الضغوط القوية لرفع مستويات الإنفاق، خصوصاً الإنفاق الجاري- وخفض معدلات النمو القوية في المصروفات عند ارتفاع أسعار النفط، وبناء احتياطات مالية واستثمارها في أصول مأمونة تدر أعلى قدر ممكن من العائد. وسيساعد زيادة وتطوير الإيرادات غير النفطية على خفض مخاطر تراجع الإيرادات النفطية، لكن مخاطر آثارها الاقتصادية السلبية على النشاط الاقتصادي المحلي, ودخول العائلات, والاعتبارات السياسية, وتأثيرها الهامشي في السياسات المالية وتشكيلها جزءا يسيراً من إجمالي الإيرادات تحول دون إمكانات زيادتها لمستويات فاعلة.

وارتفعت احتياطات الدولة المالية المودعة في مؤسسة النقد العربي السعودي إلى مستويات قياسية حيث بلغت نحو 1586 مليار ريال في نهاية حزيران (يونيو) من عام 2013، لكن جزءا كبيراً من هذه الاحتياطات أو نحو 500 مليار ريال مخصص للإنفاق على مشاريع الإسكان والنقل العام. ولهذا فإن الاحتياطات التحوطية تبلغ نحو ألف مليار ريال، وهذه تكفي لإنفاق عام واحد فقط. ومع أن هذه الاحتياطات ضخمة إلا أن تراجع أسعار النفط سيؤدي إلى تآكل الاحتياطات المالية بسرعة إذا لم تتم السيطرة على النزعة القوية نحو الإنفاق.

وتبدو مخاطر تراجع أسعار النفط منخفضة في الوقت الحالي، لكن هذا لا يمنع من ارتفاعها في أي وقت، فقد أدى نشوب الأزمة المالية العالمية وبشكل مفاجئ إلى تراجع حاد في أسعار النفط في نهاية عام 2008. وسيؤدي ظهور أي أزمة جديدة في الاقتصاد العالمي أو تطوير وسائل بديلة للنفط أو زيادة المعروض منه إلى تراجع أسعار النفط. وحدوث ركود في الاقتصاد الصيني مثلاً أو أزمة مالية فيه أمر وارد، وسيقود في حالة حدوثه إلى تأثيرات قوية في الاقتصاد العالمي ويخفض الطلب العالمي على النفط وتراجع أسعاره، ما سيخفض الإيرادات الحكومية.

ولهذا ينبغي أن نتوخى المزيد من الحرص في أوقات الرخاء، حيث يميل معظم الأفراد والشعوب والحكومات إلى التغافل عن المخاطر والإفراط في الإنفاق في أزمنة الرواج الاقتصادي. إن معدلات النمو القوية في الإنفاق خلال السنوات الماضية لا يمكن أن تستمر، لهذا لا بد من خفضها والتصدي للضغوط القوية لزيادتها، كما ينبغي استثمار المزيد من الموراد في المستقبل وبناء مستويات آمنة من الاحتياطات المالية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.