نظرة على نزاهة
الفساد، كلمة تشير إلى وجود مظاهر الخلل في الكثير من أوجه الحياة، وهي شبكة من المصالح وسراديب مظلمة من الخفايا والأسرار إذا لم تحاصر في خنادقها وتستأصل من جذورها تنمو وتتجذر حتى تتحول إلى ثقافة لا يستنكرها الناس وحينها تفسد المفاهيم وتقلب سلم القيم فتزيد مسلك الناس اعوجاجا. هذه «الثقافة» لا تتسع دائرتها وتتمدد فروعها إلا إذا وجدت من «يرعاها» ويحميها ويشجع عليها أو على الأقل يتغاضى عن نتائجها وأخطارها. وفساد الجهاز الإداري، بكل مظاهره من الخلل في الأنظمة وضعف التأهيل وسوء استخدام السلطة وغلبة المحسوبية وشيوع المحاباة، بيئة حاضنة يترعرع فيها الفساد المالي ولهذا كان «الإصلاح الإداري» البوابة الطبيعية لمواجهة مظاهر هذا المرض ومحاولة حصاره بالقانون والرقابة والمحاسبة.
وليس هناك مجتمع بشري إلا وفيه بعض من مظاهر الفساد، وإن بدرجات متفاوتة ونحن، بصراحة، مجتمع ابتلي بالكثير من مظاهر الفساد، ولهذا ابتهج المواطنون بتأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» خاصة بعد أن أعطاها الملك الضوء الأخضر لملاحقة مظاهره وعدم استثناء أحد، كائنا من كان. وحبس الكثيرون أنفاسهم انتظارا لسماع انفجارات تهز قواعد الفساد وتزلزل أركان قلعته وتحطم أبراجها على رؤوس المندسين في ظلامها، ومرت الأيام والأنفاس محبوسة والعيون شاخصة والقلوب يزداد وجيبها تترقب اللحظة التي يسقط فيها عمود من أعمدة الفساد لكن طال الانتظار وبدأ الفتور والملل يتسرب إلى النفوس وبدأت سلسلة من الأسئلة تطرح: لماذا تنشغل نزاهة بعطل مكيف في مدرسة نائية وملاحقة زيادة ريالات في فواتير صيانة بلدية صغيرة والاهتمام بمستوى تنفيذ سفلتة طريق زراعي لم يلتزم المقاول بشروط المناقصة. وبدا للبعض وكأن نزاهة ابتعدت عن الأمواج العاتية والأعماق المظلمة التي تسبح فيها أسماك القرش واكتفت بالتجوال على الشاطئ والسباحة في المياه الضحلة التي لا يعيش فيها إلى صغار السمك..
اليوم تستضيف هذه الجريدة معالي رئيس الهيئة، وهو رجل موضع ثقة القيادة ويحظى باحترام وتقدير مواطنيه لكفاءته وسمعته النقية فأردت أن أضع بين يدي معاليه هذه النظرة «السلبية» التي يقول بها البعض علنا ويهمس بها آخرون، لأن هدفنا واحد، العمل لمصلحة وطننا وخير أهله..
*نقلا عن عكاظ