.
.
.
.

ربحية البتروكيماويات السعودية لا تزال الأعلى عالميا

رغم طفرة الغاز الصخري الأمريكي

سليمان الخطاف

نشر في: آخر تحديث:

يعتبر الميثانول أحد أهم المواد البتروكيماوية الأساسية، الذي تتلخص استعمالاته إما في المشتقات الكيماوية المختلفة، أو كوقود للسيارات، أو يصنع بواسطته محسِّنات الأوكتان، مثل "الإيثر MTBE"، ومن أهم الاستعمالات الحديثة، التي بدأت تلقى رواجا، هو استخدامه لقيما لإنتاج الأولفينات التي تنتج البلاستيك.

وفى عام 2011م استُخدِم أكثر من 50 في المائة من الميثانول المنتَج عالميا في صناعة الفورمالدهايد وحمض الخل والمذيبات المختلفة، واستُخدِم 11 في المائة كوقود و20 في المائة في صناعة محسنات الأوكتان، مثل مادة MTBE التي ترفع رقم الأوكتان لبنزين السيارات و6 في المائة فقط كلقيم لإنتاج البلاستيك. ويُتوقع أن يتغير هذا الطلب في عام 2016م إلى التالي: 40 في المائة في صناعة الكيماويات، و16 في المائة كوقود، و22 في المائة كلقيم لإنتاج البلاستيك. وهذا يدل أن استهلاك الميثانول كوقود للسيارات ولإنتاج لقيم البلاستيك في ارتفاع.

وصل الطلب العالمي على الميثانول في عام 2012م إلى 61 مليون طن مدعوم بزيادة الطلب الصيني، ولأن للميثانول رقم أوكتان مرتفع (رقم الأوكتان 100)، فهو يضاف بكميات قليلة إلى بنزين السيارات من أجل تحسين جودته ورفع رقم الأوكتان للبنزين. لكن يبدو أن الاستخدام الأكثر طلبا هو تحويل الميثانول إلى أولفينات تستخدم كلقيم في صناعة البلاستيك، خاصة أن الصين لا تملك ما تحتاج إليه من سوائل الغازات، التي عادة ما تستخدم كلقيم لإنتاج الأولفينات.

ويُتوقع أن ترتفع طاقة الإنتاج العالمية للميثانول إلى نحو 115 مليون طن بحلول 2020م، وهذا يدل على أن التوسع في صناعة الميثانول العالمية سيزيد بنسبة 13 في المائة سنويا. وتَتسيّد الصين صناعة الميثانول واستهلاك الميثانول، أي أن الصين هي اللاعب الأساسي، الذي يحدد مستقبل وأسعار هذه المادة، وامتلكت الصين 52 في المائة من طاقة العالم الكلية لإنتاج الميثانول في عام 2012م، واستهلكت نحو 43 في المائة من الاستهلاك العالمي لهذه المادة ولنفس السنة.

ولا بد من الإشارة إلى أن نحو 5 ملايين طن من مادة الميثانول قد تم خلطها مع بنزين السيارات في الصين في عام 2010م، وهو ما يساعد الصين على تخفيض حاجتها للنفط. ولقد أنتجت الصين في عام 2012م 26 مليون طن، وهو يمثل 43 في المائة من الإنتاج العالمي للميثانول في العام الماضي. وسوف يزيد إنتاجها بنحو 20 مليون طن في عام 2016م لتلبية الطلب المتزايد، وذلك لاستخدام الميثانول كلقيم لإنتاج البروبلين والمواد البلاستيكية بشكل عام، وهذا يعني أن إنتاج الصين من الميثانول سيكون نحو 46 مليون طن بحلول عام 2016م.

أما الاستهلاك الصينى فمن المتوقع أن يزيد من 30 مليون طن في عام 2012م إلى 76 مليون طن في عام 2017م، وهذا يعطي فكرة واضحة عن موقع الصين في هذه الصناعة. ويبقى أن نعلم أن أكثر من 80 في المائة من إنتاج الصين من الميثانول يأتي من لقيم الفحم الحجري، وذلك لعدم وجود احتياطيات كبيرة للغاز الطبيعي. وفى العادة يُنتَج الميثانول بواسطة تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز الهيدروجين، وأول أكسيد الكربون، وهذا التحويل يكون سهلا إذا كان اللقيم غازا طبيعيا، لكن في عدم وجود الغاز الطبيعي توجّب على الصينيين تحويل الفحم الحجري إلى هيدروجين، وأول أكسيد الكربون بمساعدة العملاق الجنوب إفريقى شركة ساسول ليتم تحويلهما في خطوة أخرى إلى ميثانول.

ورغم أن أسعار الفحم رخيصة، ولا سيما أن الصين تمتلك ثالث أكبر احتياط للفحم في العالم بعد روسيا وأمريكا، إلا أن صناعة الميثانول من الفحم الحجري ليست بالعملية السهلة، بل هي عملية مكلفة. وتبقى تكلفة إنتاج الميثانول في الصين مرتفعة، مقارنة بالدول الأخرى، وذلك لارتفاع سعر اللقيم، إذ وصل سعر الغاز الطبيعي في الصين إلى أكثر من 7.5 دولار للمليون وحدة. وتنتج الولايات المتحدة حاليا نحو مليوني طن سنويا، رغم أن الطلب الأمريكي على الميثانول يبلغ سبعة ملايين طن سنويا، إلا أن إنتاجه غالبا ما كان يصطدم بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. لكن مع طفرة إنتاج الغاز الصخري الأمريكي انخفضت أسعار الغاز الطبيعي بأمريكا، وهذا أدى إلى الإعلان عن النية لرفع طاقة الولايات المتحدة لإنتاج الميثانول إلى نحو عشرة ملايين طن بحلول 2017م.

وانتعشت هذه الصناعة المرتبطة بأسعار الغاز الطبيعي مرة أخرى بعدما أفلت لعدة عقود، ويقول الخبراء إن إنتاج الميثانول في أمريكا يبقى مربحا إذا استقرت أسعار الغاز الطبيعي تحت سقف خمسة دولارات للمليون وحدة حرارية. وتراوحت أسعار الغاز في أمريكا في عام 2012م بين دولارين وثلاثة دولارات للمليون وحدة، وهي في عام 2013م تراوح بين ثلاثة وأربعة دولارات للمليون وحدة حرارية. وعندما كان سعر الغاز الطبيعي في أمريكا يتراوح بين ستة وثمانية دولارات للمليون وحدة حرارية لم يكن إنتاج الميثانول مغريا، وذلك لارتفاع تكلفة الإنتاج، وهذا ما جعل شركة مثينكس تبني مصنعا لإنتاج الميثانول في تشيلي. لكن بعد أن انخفضت أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات بين ثلاثة وأربعة دولارات قررت ميثنكس نقل هذا المصنع إلى لويزيانا في الولايات المتحدة. وهو ما يبرهن أن صناعة الميثانول مربحة جدا إذا كان سعر الغاز الطبيعي تحت سقف خمسة دولارات للمليون وحدة حرارية.

وتنتج السعودية حاليا ستة ملايين طن سنويا من الميثانول، أي نحو 10 في المائة من الإنتاج العالمي، ويُصدّر منه نحو 4.8 مليون طن، ويُستخدّم الباقي في صناعة مادة MTBE ومادة الفورمالدهايد. وتعد تكلفة إنتاج الميثانول السعودي الأرخص عالميا، وذلك لأن اللقيم الأساس وهو الغاز الطبيعي يُباع في السعودية بسعر 0.75 دولار للمليون وحدة حرارية، وحيث إن كل طن ميثانول يحتاج إلى 32 مليون وحدة حرارية، فهذا يعني أن قيمة الغاز الطبيعي المُستخدَمة بتصنيع طن ميثانول في السعودية تُقدّر بنحو 24 دولارا فقط، وهي الأرخص في العالم. ولتوضيح فكرة تنافسية السعودية، يُستحسن حساب التكلفة النقدية لإنتاج الميثانول في السعودية. ومعلوم أنه لا يوجد مصانع ميثانول جديدة في السعودية، لذلك كل المصانع القائمة قد استرجعت رأسمالها، لذلك لا بأس من حساب التكلفة النقدية. لنأخذ مثلا مصنعا يُنتج 1.5 مليون طن ميثانول سنويا، ومعلوم أن كل طن ميثانول يحتاج إلى 32 مليون وحدة حرارية كلقيم وكوقود، وللدقة سنفترض 35 مليون وحدة حرارية كوقود وكلقيم. وسيحتاج المصنع إلى تكاليف ثابتة من عمال وإدارة وتقادم المصنع نحو 60 مليون دولار سنويا، وإلى مواد أخرى كأكسجين وماء وحفازات إلى عشرة ملايين دولار.

وهذا يقودنا إلى أن التكلفة النقدية لإنتاج مليون ونصف طن سنويا من الميثانول كالتالي: سعر الغاز الطبيعي 40 مليون دولار، إضافة إلى 70 مليون دولار لتصبح التكلفة 110 ملايين دولار، وبالقسمة على مليون ونصف طن تصبح تكلفة إنتاج الطن نحو 73 دولارا على أعلى تقدير. الأسعار العالمية الحالية للميثانول، ووفقا للنشرات العالمية هي في المتوسط 450 دولارا للطن، ولأن معظم الميثانول المُنتَج في السعودية سيتم تصديره إلى الصين وبتكلفة للشحن تصل إلى نحو 30 دولارا للطن في أعلى تقدير؛ يصبح تكلفة طن الميثانول السعودي وصولا للصين نحو 100 دولار على أعلى تقدير. وبهذا تصبح ربحية طن الميثانول السعودي بين 300 و350 دولارا للطن، وهو "مبلغ خيالي" وأي شركة تتمنى أن تمتلك مثل هذا المصنع.

إذاً، لو أن شركة في السعودية أنتجت 1.5 مليون طن ميثانول سنويا سيكون ربحها فقط من إنتاج الميثانول 450 مليون دولار أو 1.7 مليار ريال، على أساس أن أسعار الميثانول العالمية 450 دولارا للطن. ولو طبّقنا نفس المعايير على الولايات المتحدة، التي تعيش طفرة إنتاج الغاز الطبيعي الصخري الذي يعد الأرخص في العالم الصناعي؛ لوجدنا أن التكلفة النقدية، (باعتبار متوسط سعر الغاز الطبيعي أربعة دولارات للمليون وحدة حرارية) تساوي: 240+60+10=280 مليون دولار. أي أن التكلفة النقدية لإنتاج طن الميثانول في أمريكا، وبأسعار الغاز الطبيعي التاريخية في الانخفاض؛ تُقدّر بـ210 دولارات، وهو ما يتطابق مع غراف، مقارنة بأسعار الإنتاج، الذي يستعرض تكاليف الإنتاج في مناطق مختلفة وبأسعار لقيم مختلفة للغاز الطبيعي والفحم.

والجدير بالذكر أن الغراف حسب تكلفة إنتاج الميثانول في الشرق الأوسط على أساس أن متوسط سعر الغاز الطبيعي نحو 1.3 دولار للمليون وحدة حرارية وتم تطبيق نفس الطريقة لحساب التكلفة بالسعودية، ولكن على أساس سعر الغاز الطبيعي بالسعودية 0.75 دولار للمليون وحدة حرارية. وفى الختام، لا شك أن الصين لديها أسبابها للزيادة الكبيرة على طلب الميثانول، لأنه وقود مثالي يحتوي على رقم أوكتان عال، ولا يبعث الكثير من الكربون وبالتالي يسهم في تقليص فاتورة الصين لاستيراد النفط الخام، الذي تجاوز سعر البرميل 100 دولار. لكن يبقى السؤال الأهم، ورغم ربحية الميثانول السعودي المُصدّر للصين: هل من الممكن الاستفادة أكثر من الميثانول، وتصنيعه إلى مواد ذات قيمة أعلى، أو خلطه بالبنزين؛ لخفض استهلاك السعودية الكبير للنفط الخام؟ باختصار: كيف يمكننا أن نصل للاستفادة القصوى من مواردنا الناضبة؟

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.