.
.
.
.

أصول المؤسسة ليست للدولة وحدها

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

أدت العجوزات المالية المتوالية في نهاية الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى تراجع صافي الأصول الأجنبية للمملكة حتى وصلت إلى 182.2 مليار ريال في عام 1999م، وكان من بينها 40 مليار ريال للمصارف التجارية، والباقي لمؤسسة النقد العربي السعودي. واستخدم جزء كبير من الأصول الأجنبية باسم المؤسسة لتغطية إصدار الريال، بينما انخفضت الودائع الحكومية إلى مستويات متدنية في ذلك العام. واستقر صافي الأصول الأجنبية حول مستويات 200 مليار ريال حتى عام 2003م عندما بدأت أسعار النفط في التحسن. وارتفع صافي الأصول الأجنبية إلى 371.1 مليار ريال في نهاية عام 2004م.

وتصاعد صافي الأصول الأجنبية في الأعوام التالية، حيث وصل إلى نحو 900 مليار ريال في نهاية عام 2006م. وواصل صعوده القوي حتى بلغ 2711.4 مليار ريال في نهاية آب (أغسطس) من عام 2013م. وبلغت حصة مؤسسة النقد العربي السعودي من صافي هذه الأصول نحو 2590 مليار ريال "690 مليار دولار" في آب (أغسطس) 2013، بينما خص المتبقي المصارف التجارية. وتشكل الأصول الأجنبية معظم موجودات مؤسسة النقد العربي السعودي. وتأتي المملكة في المركز الثالث عالمياً بعد كل من الصين واليابان في حجم صافي الموجودات الأجنبية.

وتقوم مؤسسة النقد العربي السعودي كبنك أو مصرف مركزي بثلاثة أدوار رئيسة في المملكة حيث إنها تصدر العملة، وتدير السياسة النقدية وهي مصرف المصارف، وتعمل كمصرف للدولة وبعض المؤسسات الرسمية وشبه المستقلة ذات الميزانيات المستقلة كمصلحة معاشات التقاعد والتأمينات الاجتماعية وصناديق التنمية. ولهذا فإن الموجودات الأجنبية التي لدى المؤسسة لا ترجع إلى إيداعات الدولة فقط كما يعتقد البعض وإنما تستخدم مقابل القيام بباقي الأدوار التي تقوم بها المؤسسة، والتي يمكن توضيحها من خلال جداول المطلوبات على المؤسسة المتوافرة في النشرات الشهرية والسنوية.

وتشير جداول المطلوبات على المؤسسة إلى أن أكثر من 200 مليار ريال بقليل من الاحتياطيات الأجنبية يستخدم لتغطية إصدار العملة الوطنية في آب (أغسطس) 2013، كما أن جزءًا من هذه الاحتياطيات يتجاوز 140 مليار ريال يعود لإيداعات المصارف التجارية الإلزامية والطوعية في مؤسسة النقد العربي السعودي. ويطلب من المصارف إيداع نسب محددة من الحسابات في المؤسسة كما تودع المصارف فيها بعض فوائضها. وتشير بيانات نشرة المؤسسة لآب (أغسطس) من عام 2013م إلى وجود مطلوبات أخرى متنوعة تصل إلى نحو 758.4 مليار ريال.

ومن الغريب وجود مبلغ كبير تحت هذا التصنيف، حيث تذكر عادةً المطلوبات الأخرى في البيانات المالية عند وجود مبالغ صغيرة نسبياً ومتنوعة. ويتطلب وجود هذا المبلغ الكبير نسبياً تحت هذا التصنيف ضرورة إيضاح تفاصيل محتوياته من القائمين على البيانات في المؤسسة، وإلا سيكون عرضة للتأويلات الخاطئة. وأعتقد أن جزءًا من هذا المبلغ يعود للودائع الطوعية للمصارف كما أن جزءًا كبيراً منه يعود لأدوات سحب السيولة الزائدة من الاقتصاد المحلي، والتي تستخدمها المؤسسة للحد من الآثار التضخمية للسيولة الزائدة. وتدير المؤسسة جزءا كبيراً من الأصول الأجنبية التي في حوزتها لصالح المؤسسات الرسمية المستقلة كمصلحة معاشات التقاعد والتأمينات الاجتماعية ومصارف التنمية.

وتمثل الودائع الحكومية الجزء الأكبر من المطلوبات على مؤسسة النقد العربي السعودي، حيث وصل حجمها إلى 1621.9 مليار ريال في نهاية آب (أغسطس) من عام 2013م. ويخص هذا المبلغ الدولة، أما باقي الأصول في المؤسسة فتعود إلى جهات أخرى ولا تستطيع الدولة التصرف فيها. ويعتبر حجم الودائع الحكومية هائلا، وقد يرفع المطالبات الداخلية والخارجية بإنفاق أو تخصيص جزء منه لأغراض استهلاكية أو لأغراض لا تخدم مصالح المملكة بصورة مثلى. ولهذا فإن تخصيص معظمه أو جزء كبير منه للإنفاق على المشاريع الحيوية سيخفف من الضغوط لإنفاقه على الاستهلاك أو التحويلات.

وقد تم وضع جزء كبير من هذه الإيداعات في حسابات للإنفاق على مشاريع معينة، حيث خصص نحو 500 مليار ريال للإنفاق على مشاريع الإسكان والنقل العام. وتضع الدولة في حسبانها ضرورة توافر مبالغ إضافية لإكمال المشاريع الضخمة التي بدأ العمل فيها كمشاريع توسعة الحرمين، والسكة الحديدية، وكثير من مشاريع البنية الأساسية التي ينبغي إتمامها حتى لو تراجعت إيرادات النفط. ويتراوح إجمالي الالتزامات بالمشاريع الأخرى في تقديري ما بين 300 إلى نحو 500 مليار ريال أخرى.

ولهذا فإن الاحتياطيات التي لا ترتبط بصورة أو بأخرى بمشاريع معينة قد لا يتجاوز 600 مليار ريال في الوقت الحالي. وهذه الاحتياطيات ضرورية لمواجهة مخاطر تراجع الإيرادات التي قد تنشأ عن تراجع أسعار النفط، وسيقود أي تراجع قوي في أسعار النفط إلى عجوزات مالية. وتشير مؤشرات الإنفاق الحكومي إلى تجاوزه مستوى 900 مليار ريال هذا العام، وهذا يعني أن تراجع أسعار النفط دون مستويات 90 دولاراً للبرميل سيؤدي إلى حدوث عجز مالي.

لقد أدت زيادة أسعار النفط إلى رفع إيرادات الدولة وعودة الفوائض المالية وفوائض الحساب الجاري في السنوات 13 الماضية، والتي قادت إلى تراكم الأصول الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي. ومكن هذا التراكم المملكة من الدفاع عن معدلات صرف الريال بكل سهولة كما يسر من حرية استيراد السلع والخدمات. ودعم تراكم هذه الأصول مالية الحكومة واستقلالية المملكة المالية، وقوى من وضع موازينها الخارجية، ووفر غطاءً ضد مخاطر التقلبات المالية والاقتصادية، وعزز نفوذها السياسي والمالي على المستوى العالمي، وأصبحت المملكة من أكبر صافي المقرضين بعد الصين واليابان. وشجع في نفس الوقت على تدفق الاستثمارات من وإلى الخارج. إن من نعم الله على هذا البلد الكريم توافر موجودات أجنبية ضخمة تساعده على توفير الاستقرار الاقتصادي وتسمح له بحرية التصدير والاستيراد وتحويل العملة بكل يسر وحرية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.