.
.
.
.

الرهن العقاري بين مفهومي "الدين" و"الادخار"

عبد العزيز الغدير

نشر في: آخر تحديث:

حوار عابر مع رجل استمعت إليه وهو يهاجم ويحذر محدثيه من شراء المسكن بنظام الرهن العقاري، حيث يقول إن زميلا له اشترى مسكنا قيمته نقداً 1.5 مليون ريال ودفع 10 في المائة من قيمته، ليتبقى عليه 2,7 مليون ريال يدفعها خلال 20 سنة بواقع 11 ألف ريال شهرياً، وأن الرجل يدفع هو وزوجته هذا القسط ليتبقى لهما نحو 15 ألف ريال من راتبيهما، مضيفاً أنه يعتبر قرار زميله غير منطقي لأنه حمّل نفسه ''ديناً'' كبيراً لمدة 20 عاما مقبلة، وأنه لو استمر ساكناً بالإيجار، حيث يدفع 110 آلاف ريال سنوياً لكان أفضل له.

تداخلت معه وقلت له إن زميله بشراء هذا المسكن بنظام الرهن العقاري لم يحمِّل نفسه ''ديناً'' بل بدأ بعملية ''ادخار'' طويلة في مسكن يملكه بالكامل بمرور الزمن لأموال كان يدفعها شهرياً دون فائدة وهي أقساط المنزل الذي كان يسكنه بالإيجار ويدفع 110 آلاف ريال إيجاراً له بما يعادل نحو تسعة آلاف ريال شهرياً، بمعنى أنه حوَّل الإيجارات الشهرية الذاهبة إلى غير رجعة إلى أقساط شهرية تحقق له نسبة من ملكية المسكن بمرور الزمن حتى يتملكه بالكامل في نهاية الـ 20 عاما، أي أن زميلك لم يحمِّل نفسه ''دينا'' بل بدأ ''بادخار'' ما كان يدفعه إلى غير رجعة.

لم يدرك هذا الرجل ما قلته وطلب مني المزيد من التوضيح فقلت له إن فلسفة الرهن العقاري التي تهدف لرفع قوة المواطن الشرائية ''كأحد أهدافها'' ليمتلك المنزل الملائم في الوقت المناسب من العمر تقوم على فكرة أنك لكي تسكن وأنت لا تملك المبلغ الكافي لشراء مسكن نقدا كما هو حال الغالبية ستدفع ملزما إيجارات لا تحقق لك أي نسبة ملكية في العين المؤجرة مهما طال الزمن، ونظام الرهن العقاري يمكنك من تحويل هذه الإيجارات إلى أقساط شهرية لمنزل تملكه باسمك من اليوم الأول، إلا أن وثيقة ملكيته مؤشرة ولا يمكنك بيعه إلا بعد أن تسدد كامل الأقساط للجهة الممولة، أي أنه حوَّل الأموال ''المهدرة'' إلى أموال ''مدخرة''.

وبالتالي لا شيء تغير عليك من جهة قيمة ما تدفعه شهرياً وما تغير هو لمصلحتك، حيث تحولت الإيجارات الذاهبة إلى غير رجعة لعقار يملكه غيرك إلى أقساط لعقار تزداد نسبة تملكك له بمرور الزمن حتى تملكه بالكامل، بمعنى أن كل ما كنت تدفعه من مال على شكل إيجارات ''لا تشعر أنها دين على ظهرك كما تقول'' هي أموال أنت ملتزم بدفعها شهريا أو نصف سنوياً وكأنها دين لتسكن كمستأجر يحولها لك نظام الرهن العقاري إلى أقساط تدخرها في منزل تملكه ولا تتصرف فيه حتى تستكمل كامل أقساطه.

قال لي أوضح لي بمثال فإني ما زلت أشعر أن الرهن العقاري يجعلني التزم بدين كبير لا قبل لي به، في حين أن الإيجار مال أدفعه بشكل دوري من دخلي الشهري، قلت له لنفترض أن أمامك خيارين للسكن الأول شراء منزل قيمته مليون ريال بنظام الرهن العقاري، والثاني استئجار هذا المنزل بمائة ألف ريال سنويا، في الحالة الأولى ستدفع مقدما 100 ألف ريال وتصبح تكلفة المنزل المتبقية مع الفوائد 1,8 مليون ريال تسدد بواقع 7,5 ألف ريال شهرياً ويسجل المنزل باسمك، وبعد خمس سنوات تكون دفعت 450 ألف وتملك ربع المنزل، وفي حال الإيجار تكون دفعت 500 ألف ريال وتملك صفرا في المائة من العين المؤجرة، وبعد عشر سنوات تكون دفعت 900 ألف في الحالة الأولى وتملك 50 في المائة، وفي الحالة الثانية تكون دفعت مليون ريال وتملك صفرا في المائة، وبعد 20 عاما تكون دفعت في الحالة الأولى 1.8 مليون ريال إضافة للدفعة المقدمة وهي 100 ألف ريال وتملك المسكن بنسبة 100 في المائة، بينما في حالة الإيجار تكون دفعت مليوني ريال وبنسبة ملكية صفر في المائة، فأي الخيارين أفضل؟!

قال وزملاؤه بكل تأكيد خيار الشراء بالرهن العقاري أفضل بكثير من الإيجار فالأول حوَّل الإيجارات إلى مدخرات على شكل منزل مملوك بالكامل، قلت وهناك فائدة أخرى وهي أن سعر المنزل تعاظم بمرور الوقت، ولكم أن ترجعوا إلى معدلات نمو أسعار المساكن في المملكة خلال الـ 20 سنة الماضية لتتخيلوا كم قد تصبح قيمة المسكن بعد الـ 20 سنة وكم ستصبح إيجارات المساكن بعد 20 سنة ونحن نرى معدلات التضخم الهائلة، وبكل بساطة قال أحدهم إن أسعار الإيجارات والمساكن تضاعفت خلال الـ 20 سنة الماضية وبكل تأكيد لن تبقى ثابتة خلال الـ 20 سنة المقبلة.

وأضفت لهم أن نظام الرهن العقاري لا يهدف فقط لتمكين الموظفين من شراء المسكن الملائم في الوقت المناسب من العمر بما يتناسب وحجم الأسرة وسقف الراتب بل إنه يحقق أهدافا عدة منها على سبيل المثال لا الحصر توفير التمويل اللازم للمطورين العقاريين لإنتاج كميات كبيرة من المساكن بجميع المساحات عالية الجودة متعاظمة القيمة، الأمر الذي يساهم في زيادة المعروض على حساب المطلوب لتهدئة الارتفاعات الكبيرة في أسعار المساكن، كذلك الشركات المطورة العلاقة تلعب دورا كبيرا في تطوير الأحياء لتحقق جميع أبعادها الأمنية والاجتماعية والبيئية والصحية والنفسية، إضافة إلى مهمتها كمأوى لأفراد الأسرة وهو ما حرمنا منه لعدم وجود نظام الرهن العقاري منذ زمن بعيد.

ختاما أتطلع إلى أن تقوم الجهات التمويلية التي ستلعب دوراً كبيراً في التمويل العقاري في السنوات المقبلة - خصوصا شركات التمويل العقاري - بنشر الوعي حيال نظام الرهن العقاري ومفاهيمه ومميزاته وأثره في الفرد والمجتمع والاقتصاد ومتطلبات نجاحه بالصورة المثلى.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.