.
.
.
.

صناعة التكرير النفطي في مرحلة ركود

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من أهميتها الكبيرة، حيث ليس هناك مجال مطلق لاستخدام النفط من دونها، إلا أن صناعة التكرير النفطي تعتبر في كثير من الأحيان من الأعمال ذات المردود الاقتصادي الهامشي، يبدو أن الأمور على وشك أن تتفاقم أكثر. إن العصر الذهبي لصناعة التكرير النفطي العالمية الذي ساد معظم العقد الماضي قد انتهى بانهيار مفاجئ للصناعة بعد الأزمة المالية والركود الاقتصادي الكبير الذي خفض الطلب على النفط وأيضا نتيجة تشغيل موجة جديدة من المصافي المعقدة التي عززت من الطاقات الإنتاجية الفائضة. إن الانقطاعات الأخيرة في إمدادات النفط الخام قد تركت العديد من المصافي على حافة الانهيار، ولا سيما في اقتصاديات حوض الأطلسي الصناعية ''المتقدمة''، لكن هذه التداعيات امتدت إلى مناطق أخرى. على سبيل المثال، شركات التكرير الآسيوية التي تخدم بعض أسرع الأسواق النامية في العالم تواجه توقع تشغيل موجة جديدة من المصافي التي قد تضعف أكثر من هوامش الأرباح.

إن إمدادات النفط الخام المنقولة بحرا قد تشددت بشكل هذا العام، إنتاج دول منظمة أوبك من النفط الخام تراجع بنحو 900 ألف برميل في اليوم مقارنة بما كان عليه في العام الماضي، إلى حد كبير بسبب تراجع الإنتاج من إيران، ليبيا، نيجيريا والسعودية. في حين أن إنتاج الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك ارتفع بنحو 1.1 مليون برميل في اليوم خلال الفترة نفسها. لكن نحو مليون برميل في اليوم من هذه الزيادة جاء من الولايات المتحدة، التي تفرض حظرا فعالا على صادراتها من النفط الخام. إن حالة التراجع الحادة في أسعار النفط Backwardation، حيث إن أسعار الشهر الفوري أعلى من أسعار الأشهر اللاحقة، يمكن تفسيرها جزئيا بحاجة أسواق النفط إلى مزيد من النفط الخام في الوقت الحالي.

مع ارتفاع إنتاج النفط من موارد الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، وصلت كميات إضافية من النفط الخام إلى مراكز التكرير، ما أدى إلى ارتفاع معدلات تشغيل المصافي على ساحل الخليج. أدى هذا إلى تكبد بعض المصافي خارج الولايات المتحدة خسائر فادحة. على سبيل المثال متوسط هوامش أرباح البنزين والديزل العالمية، كانت في الربع الثالث من هذا العام أقل بنحو خمسة دولارات للبرميل من العام السابق. هوامش أرباح وقود الديزل بصورة عامة ما زالت صامدة، يعود السبب جزئيا إلى انتعاش قطاع التصنيع ونقل البضائع في بعض دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، لكن إنتاج البنزين في ارتفاع والفائض ينمو في أمريكا الشمالية وأوروبا.

إن مصافي حوض الأطلسي تحاول جاهدة زيادة إنتاج وقود الديزل، المنتج الأكثر ربحية، وفي الوقت نفسه تحاول التقليل من كمية البنزين وزيت الوقود الأقل قيمة. هذا يعتبر مشكلة مزمنة في صناعة التكرير النفطي. لكن ارتفاع كميات النفط الخفيف الحلو من موارد الصخر الزيتي في الولايات المتحدة أدى إلى ارتفاع نواتج التقطير الأخف وزنا. إن إنتاجية البنزين في تصاعد مستمر في مصافي الولايات المتحدة منذ عام 2012، بعد ما كانت في انخفاض في معظم العقد الماضي. إن ارتفاع إنتاج البنزين لم يجد أسواقا له. لقد كانت مخزونات الولايات المتحدة من البنزين أكثر من عشرة ملايين برميل يوميا فوق متوسط معدلاتها الموسمية منذ منتصف أيار (مايو)، وهوامش الأرباح تنخفض بشكل حاد مع انتهاء ذروة الطلب على النفط في فصل الصيف.

لقد استمدت أسواق المنتجات النفطية في آسيا ــــ المحيط الهادئ قوة عن طريق التصدير إلى أوروبا، وكذلك في ضوء التغيرات التي شهدتها الأسواق المحلية. إن مراكز التكرير في كوريا الجنوبية وسنغافورة تقوم بانتظام بشحن الديزل عالي الجودة إلى الاتحاد الأوروبي. كما أن مرافق توليد الطاقة اليابانية أغلقت المحطات النووية، وتقوم بالاعتماد على شركات التكرير المحلية أو من جنوب شرق آسيا للحصول على زيت الوقود منخفض الكبريت لتوليد الطاقة الكهربائية. لكن سياسة الصين في التوسع بطاقات التكرير جعلها مصدرا صافيا لما يقرب من 240 ألف برميل في اليوم من البنزين، وقود الطائرات والديزل، أي أكثر من ضعف الكمية التي صدرتها في العام الماضي، ما أدى إلى إحباط هوامش أرباح المنتجات في جميع أنحاء آسيا ـــ المحيط الهادئ.

بالنظر إلى الأمام هناك القليل من الأمل في التعافي يلوح في الأفق، حيث إن هناك عددا متزايدا من المصافي ينضم إلى مجموعة المصافي العملاقة الكفؤة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا. على سبيل المثال، مصفاة الجبيل الجديدة في السعودية بطاقة 400 ألف برميل في اليوم قد بدأت للتو تصدير المنتجات. في منتصف عام 2014 ستنضم إليها مصفاة ينبع بطاقة 400 ألف برميل في اليوم. في العام القادم سوف يبدأ أيضا تشغيل مصفاة الرويس رقم 2 في أبو ظبي بطاقة 417 ألف برميل في اليوم. وتخطط الصين لإضافة نحو مليون برميل في اليوم أخرى من طاقات التكرير بحلول نهاية العام المقبل، لكن سجلها الأخير يشير إلى أن بعض تلك المشاريع يمكن أن يؤجل على الأقل حتى عام 2015.

جميع هذه الطاقات الجديدة ستكون من المصافي المعقدة وذات كلف تشغيلية منخفضة نسبيا، لذلك من المتوقع أن يتم إغلاق بعض المصافي الأخرى، المصافي الأوروبية هي الجزء الأكثر عرضة للإغلاق من هذه المجموعة، حيث إن أسواقها المحلية تتقلص، كما أن العديد من مصافيها قديمة جدا وصغيرة جدا. في هذا الجانب تقول جمعية التكرير الأوروبية أن نحو 10 في المائة من طاقات التكرير في المنطقة ستضطر إلى الإغلاق، أكثر من 1.1 مليون برميل في اليوم من طاقات المصافي قد تم إغلاقها بالفعل منذ عام 2009. يبدو أن العصر الذهبي لصناعة التكرير هو وراءنا الآن بأشواط طويلة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.