.
.
.
.

النمو الاقتصادي والسياسات العامة

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

من منا لا يحب سعة الرزق؟ الناس مجبولون على حب الثروة، وعلى الرغبة في تحسين مستوى معيشتهم أو دخولهم. وإذا عرفنا الناس بأنهم الوطن، فإن تحقيق مزيد من الثروة ومزيد من الدخل لا يمكن أن يحصل دون وجود نمو في الاقتصاد الوطني. الذي يعني ببساطة توسع الاقتصاد أو ازدياد حجمه، الذي بدوره لا يمكن أن يحصل دون ازدياد الإنتاج، تماما مثلما يحصل لنمو شركة الذي يعني أن إنتاجها ــــ مقوما بالمبيعات ــــ يزيد، طبعا بافتراض أن الأسعار لم تتغير.

أهمية النمو الاقتصادي لا ترجع فقط إلى حب الناس لمتع الحياة، بل هو متطلب لتحقيق ــــ أو المحافظة على ما تحقق ــــ حياة كريمة لعامة الناس داخل الوطن، وعدم تحقيق نمو اقتصادي، مع وجود تزايد سكاني يعني أن المجتمع قد أصبح أقل غنى أو أكثر فقرا.

وقد ارتبط في ذهن كثيرين، أن تحقيق النمو الاقتصادي أو الانتعاش الاقتصادي في الدول النفطية، مثل المملكة العربية السعودية، مرتبط بزيادة الدخل من النفط. لكن من المؤكد أن من الممكن تحقيق نمو اقتصادي دون اعتماد على النفط، وكثير من الدول ليس فيها نفط، وقد حققت معدلات نمو عالية، ولذا فإن من المهم جدا أن يعرف أن عوائد النفط ليست سببا مباشرا، كما أنها ليست ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي، وإن كان هذا لا ينفي إمكان كونها وسيلة لتعجيله، كما أن العكس صحيح، فيمكن أن تكون وسيلة في تثبيطه. المهم أن هناك أسبابا أو عوامل للنمو، وليس من الضروري أن تعتمد هذه العوامل على عوائد نفطية.

على المدى الطويل هناك ثلاثة عوامل أساسية لا يمكن أن يكون هناك إنتاج بدونها: رأس المال البشري، ورأس المال المادي، والتقنية بمعناها الأشمل الذي يندرج تحته أي مستوى تقتني سائد. وحيث إن النمو الاقتصادي يقاس بنمو الانتاج، فإن تحسين كل أو أحد عوامل الإنتاج الثلاثة كمّا و/أو كيفا، بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج هو المحور والأساس لتحقيق نمو اقتصادي. والكلام هنا مركز على الدول النامية.

يمكن للسياسات العامة ''الحكومية'' في الدول النامية أن تعمل على تحسين أو تثبيط إنتاجية كل أو بعض عوامل الإنتاج، ومن ثم فهي تعمل على زيادة أو تدهور النمو الاقتصادي. والسياسات العامة هنا يجدر أن أشير إلى أنها تعبير واسع يدخل فيه كل القرارات والتنظيمات والإجراءات الحكومية الحاكمة لعوامل الإنتاج والأنشطة الاقتصادية عامة.

لنبدأ بالعامل الأول رأس المال البشري. السؤال يمكن أن يصاغ الصياغة التالية: ما العوامل والظروف التي ترفع إنتاجية الفرد؟

التعليم، التدريب، التفاني، أو الإخلاص في أداء العمل، الأمان النفسي، الشعور بالعدل والإنصاف، تحسين مستوى التعليم أو رفع درجة جودته: يعمل على رفع إنتاجية الفرد أي رفع إنتاجية رأس المال البشري، الانضباط السلوكي أو ما يسمى بأخلاقيات العمل، الشعور بالعدل والأنصاف في المعاملة.

أما رأس المال المادي فمثل الأراضي والموارد الطبيعية والبنية الأساسية، والآلات. ومن الممكن أن يكون رأس المال المادي ملكا للقطاع الخاص أو العام.

وعلاقة الثلاثي السياسات العامة، ورأس المال المادي، والنمو الاقتصادي، تظهرها الحاجة إلى التدخل الحكومي في تأمين البنية التحتية المتطورة وتوفير البنية التشريعية، وأنواع من العون والمساعدة للقطاع الخاص الأكثر كفاءة في خدمة أهداف السياسة الاقتصادية.

وترتبط القدرة على استغلال كلا الرأسمالين البشري والمادي ترتبط بالقدرة على اكتساب التقنية وإتقانها. والتقنية هنا تعني المعنى الواسع، وليس تقنية عصر بعينه.

التفاوت بين الدول النامية في السياسات العامة الرامية إلى تحسين الاستغلال ورفع كفاءة تخصيص الموارد وإتقانها، ذلك التفاوت يترجم إلى مستويات متفاوتة من النمو الاقتصادي.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.