جدلية أسعار الأوراق المالية تفوز بجائزة نوبل

فهد بن عبد الله الحويماني
فهد بن عبد الله الحويماني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

منذ طرح أول شركة مساهمة في هولندا قبل أكثر من 400 عام وافتتاح أول سوق أسهم في العالم، سوق أمستردام، والأبحاث والدراسات تتوالى في محاولات لفهم طبيعة تحركات أسعار الأسهم، وغيرها من الأوراق المالية. من المفترض أن تعكس أسعار الأسهم الأوضاع المالية للشركات والحالة الاقتصادية السائدة وما يتوفر من معلومات وأخبار، وأن تعبر الأسعار بشكل دقيق عن القيمة الحقيقية لتلك الشركات. غير أن العملية ليست بهذه البساطة، الأمر الذي دفع اللجنة القائمة على جائزة نوبل لمنح جائزة نوبل التذكارية في مجال الاقتصاد لثلاثة باحثين أمريكيين متخصصين في دراسة أسعار الأوراق المالية، كل بطريقة مختلفة ومتضاربة أحياناً.

تطرقت عدة مرات لمفهوم كفاءة الأسواق المالية في هذه الصحيفة (راجع مقال ''هل تتمتع سوق الأسهم السعودية بكفاءة عالية؟'' ومقال ''كفاءة سوق الأسهم السعودية على المحك'')، تلك الفكرة التي ينادي بها البروفيسور فاما، أحد الفائزين الثلاثة، التي تقول إن أسعار الأسهم في أي وقت من الأوقات مسعرة بأفضل الأسعار الممكنة، وألا جدوى هناك من الحديث عن أسعار مرتفعة أو منخفضة، فجميع الأسهم مسعرة بسعرها العادل في أي وقت من الأوقات. غير أن بروفيسور شيلر لا يتفق مع ذلك بشكل كامل، بسبب كثرة المشاهدات، التي تشير إلى أن الأسعار تخالف الأساسيات المالية للشركات، وتستمر مخالفة لها لمدة طويلة نسبياً. فلو كانت الأسواق ذات كفاءة عالية، فمن المفترض ألا تفترق الأسعار السوقية عن الأسعار ''الحقيقية'' للشركات.

المعضلة الحقيقية هنا هي كيف لنا معرفة الأسعار ''الحقيقية'' لنتمكن من معرفة ما إذا كانت الأسعار السوقية صحيحة أم لا؟ هذا سؤال مهم جداً، ويمكن للقارئ المهتم مراجعة مقال ''تقدير الشركة بحساب القيمة الحاضرة للأرباح'' لمعرفة بعض الأساليب المستخدمة في ذلك، وكذلك مقال ''كيف يمكن تحديد قيمة الشركة؟'' ومقال ''ما العائد المعقول للاستثمار في الأسهم السعودية؟'' ومقال ''هل نصدق القيمة الدفترية أم القيمة السوقية؟'' ومقال ''الأسهم الرخيصة والأسهم الغالية''. المشكلة التي أرهقت بروفيسور شيلر هي أنه عندما قام بدراسة حركة أسعار الأسهم الأمريكية لعدة عقود، وقارن ذلك بربحية الشركات والأرباح الموزعة، وجد أن الأسعار تجنح كثيراً عن الحقائق المالية للشركات، بينما من المفترض أن يكون هناك علاقة وطيدة بينها، حسبما تزعم فرضية كفاءة السوق، التي ينادي بها فاما! بل إن شيلر وجد أن هناك فقاعات مالية عديدة، وهي التي تحدث عندما يكون هناك تضخم في أسعار الأصول إلى درجة غير معقولة ويعقبها انفجار لهذه الفقاعات ينتج عنها خسائر كبيرة للمستثمرين. فكيف يمكن أن نتحدث عن أسواق كفاءتها عالية، بينما الحقائق التي أمامنا على أرض الواقع تقول عكس ذلك؟

علينا أولاً أن ندرك أن كلا من فاما وشيلر متفقان على أنه من الصعب - وربما المستحيل - التنبؤ بتحركات أسعار الأسهم على المدى القصير، وكلاهما يؤمن بالممشى العشوائي لحركة الأسهم، بمعنى أن أسعار أمس ليس لها علاقة بأسعار اليوم إطلاقاً، وهو المجال الخصب للتحليل الفني الذي يراهن على معرفة ذلك. غير أن فاما يرى أن الأسعار تعكس الواقع في كل الأوقات، حتى إن كان هناك ''فقاعة'' فهي تأتي نتيجة ما يتوفر من معلومات لدى المتعاملين وأن هذا لا يخالف مفهوم كفاءة السوق. صرح فاما عدة مرات أنه لا يؤمن بالفقاعات ولا يعرف ما الفقاعات! وقد يستغرب البعض موقفه هذا، غير أن فاما مؤمن تماماً بما يقول، ووجهة نظره هي أن ما نسميه فقاعة في الواقع أننا لا نعرف أنها فقاعة إلا بعد أن تنفجر، لذا من الصعب القول بأن ما لدينا فقاعة قبل أن تكون بالفعل فقاعة. بمعنى آخر، ما الفائدة من الإشارة إلى فقاعة في الأسهم إن كانت هذه الفقاعة ستستمر لعدة سنوات؟

في المقابل، نجد أن شيلر يؤمن بالفقاعات المالية، كيف لا وهو من أصدر الكتاب المشهور ''ابتهاج غير عقلاني''، الذي صدر في الشهر نفسه الذي انفجرت فيه فقاعة الأسهم الأمريكية عام 2000، وفيه يشرح كيفية تشكل الفقاعات ويحذر من مخاطرها؟ وهو كذلك من تنبأ بجدارة بفقاعة قطاع العقار في أمريكا، التي تسببت في الكارثة المالية عام 2008. إذاً نجد أن نقاط الاختلاف بين الشخصين تأتي في كون فاما يؤمن بأن الأسواق تتمتع بكفاءة عالية وتعكس كفاءة الأسعار التي لا يوجد تسعير أفضل منها، بينما شيلر يشك في ذلك ويبحث عن تفسيرات علمية وعملية يمكن الاستفادة منها.

من المهم إدراك مدى تأثير تفكير فاما على المستثمرين ومتخذي القرار في الحكومات، حيث لجأ المستثمرين إلى صناديق المؤشرات وأسهم المؤشرات كبديلين للاستثمار المباشر في الأسهم، وذلك لأنه إن كان من الصعب معرفة تحركات الأسهم، فالأفضل الاستثمار في السوق ككل، والقبول بعائد السوق، وعدم محاولة التغلب على السوق نفسه. فتجد أن هناك صناديق تستثمر في جميع شركات إس آند بي 500، أو بعينة ممثلة لها، أو في سهم يحاكي حركة مؤشر قطاع كامل، بدلاً من محاولة انتقاء أسهم شركات بعينها. أحد المؤمنين بتفكير فاما، بروفيسور مالكيل، عرف عنه عبارته الشهيرة أنه لو أغمضنا أعين قرود وجعلناها تقذف حزمة سهام على قائمة شركات، لاستطاعت القرود تكوين محفظة أداؤها لا يختلف عن أداء محفظة تم انتقاؤها بعناية من قبل كبار المحترفين.

كذلك نجد أن تأثير فكر فاما ألقى بظلاله على متخذي القرار في الحكومات، حيث وجد صانع القرار أن لا حاجة هناك للتدخل في حركة الأسواق طالما أن الأسواق تتمتع بكفاءة عالية، وتقوم بتصحيح نفسها بنفسها.

لم يتوقف شيلر عند مجرد التشكيك في صحة كفاءة السوق، بل إنه يحسب له تأسيس فرع مهم من فروع الاقتصاد يعرف بالاقتصاد السلوكي، وهو العلم الذي يدرس تصرفات الإنسان من خلال علمي النفس والاجتماع، لمعرفة تأثير ذلك في النشاط الاقتصادي، ومنه كذلك تحركات الأسهم. على سبيل المثال، هناك نظريات تدرس حالياً تبين كيف أن الناس تتصرف بفكر جماعي وتتأثر بتصرفات الآخرين، وكيف أن النفس البشرية تبحث عن الحقائق، التي توافق أهواءها لا عن أي حقيقة مطلقة، وإن الناس عموماً ينجذبون إلى الأسهم عندما يرون أسعارها في ارتفاع، وأنهم يوجدون التبريرات الواهية للدخول في الأسهم على الرغم من شطح الأسعار بعيداً عن الواقع.

ختاماً، يمكننا اعتبار منح جائزة نوبل لهؤلاء الثلاثة كدليل على صعوبة فهم حركة الأسعار، وأن الطريق لا يزال طويلاً أمامنا في هذا المجال. بقي أن أشير إلى أن الشخص الثالث هو بروفيسور لارز بيتر هانسن، الذي من خلال أبحاثه في مجال الإحصاء والنماذج الإحصائية المطورة يمكن للباحثين، خصوصاً في مجال الاقتصاد السلوكي إجراء الدراسات التحليلية، التي تساعد على فهم حركة أسعار الأسهم والأوراق المالية بشكل عام.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.