.
.
.
.

البيانات الصينية تربك توقعات الطلب على النفط

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

لا تزال الصين تشكل لغزا للمحللين والدارسين في مجال الطاقة، على الرغم من أن المعلومات والبيانات حول صناعتها النفطية متوافرة الآن أكثر من أي وقت مضى. لكن الشكوك حول موثوقيتها لا تزال تحد من قدرة المحللين على فهم ما يجري في ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة. حتى تحديد الاتجاهات العامة في الطلب على النفط ليس سهلا في ضوء البيانات المتوافرة للباحث التي هي في أحسن الأحوال ناقصة وفي أسوئها غير دقيقة. إن سيطرة الحكومة على مجريات الأمور في كثير من الأحيان تربك سلوك المصافي والمستهلكين، وتعقد الأمور أكثر من ذلك.

إن واردات النفط الصينية تعتبر من البيانات الأكثر موثوقية، لأن بالإمكان التوثق منها من مصادر مستقلة خارجية، على الرغم من أنها في بعض الأحيان تتذبذب بصورة عشوائية من شهر إلى شهر، في كثير من الأحيان لأسباب ليس لها علاقة تذكر مع اتجاهات الطلب على النفط في الصين. على سبيل المثال، في تموز (يوليو) الماضي قفزت واردات النفط الصينية إلى مستوى قياسي بلغ 6.2 مليون برميل في اليوم، في وقت بدأت فيه المصافي هناك موسم الصيانة الصيفية. بعد ذلك تبين أن بعض هذه الكمية من النفط المستورد كانت تستخدم لملء صهاريج التخزين التجارية الجديدة. في النصف الثاني من هذا العام بدأت الشركات الصينية في بناء نحو 75 مليون برميل من طاقات التخزين الجديدة، أي ما يعادل طاقة التخزين في كوشينج في ولاية أوكلاهوما الأمريكية. هذا التوسع في طاقات التخزين سيعزز من متطلبات الاستيراد بمعدل 400 ألف برميل في اليوم، إذا ما تم تشغيلها على الفور.

مثل هذه الزيادة في واردات النفط الخام من شأنها تضخيم الطلب الظاهري على النفط في الصين ''إنتاج النفط الخام المحلي زائد صافي الواردات النفطية'' في هذا العام وفي أوائل عام 2014، إذا كما يبدو مرجحا الآن استمرار الصين في بناء الخزين في الربع الأول من العام المقبل. في الواقع لا توجد بيانات رسمية صينية عن التغيرات التي تطرأ على حركة خزينها النفطي من شهر إلى شهر، على الرغم من أن بعض شركات التكرير الحكومية مثل ''سينوبك'' و''بتروجاينا'' تقوم بنشر بعض المعلومات عن خزينها النفطي. يبدو أن برامج احتياطي النفط الاستراتيجي في الصين قد ظلت معلقة منذ أن تم افتتاح الخزانات الجديدة قبل سنتين. لكن 140 مليون برميل التي يفترض أن تكون ضمن احتياطي النفط الاستراتيجي تديرها ثلاث شركات نفط حكومية. خلافا للاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، احتياطي النفط الاستراتيجي في الصين عادة ما يستخدم لإدارة النقص المحلي على المدى القصير، البيانات في كثير من الأحيان لا يتم توثيقها أو الإبلاغ عنها. إن عدم وجود بيانات موثقة ومعتمدة للمخزون النفطي يعني أن مفهوم الطلب الظاهري على النفط Apparent Demand يوفر معلومات محدودة إن لم تكن غير دقيقة عن اتجاهات استهلاك النفط الأساسية.

إن الإدارة الصينية الجديدة تحاول تغيير اعتماد الاقتصاد بعيدا عن الصناعات التصديرية والبناء نحو اقتصاد الصناعات الخدمية والاستهلاك المحلي. في معظم هذا العام كان مؤشر مديري المشتريات PMI الصيني فقط فوق 50 نقطة، التي تمثل نقطة التحول بين النمو والانكماش، مما يعكس حالة التباطؤ في النشاط الصناعي الصيني. هذا يعني حتما تأثر الطلب على النفط، لكن على ما يبدو أن هناك إشارات متضاربة تشير إلى اتجاهات معاكسة، أي قوة في الطلب على النفط.

إن الطلب الصيني على النفثا والبنزين حتى الآن هو فوق متوسط معدل العام الماضي، في حين أن استخدام الديزل بالكاد ارتفع عن مستويات العام الماضي. الطلب الظاهري على وقود الديزل من المتوقع أن ينمو بنسبة أقل من 1 في المائة في هذا العام، هو أدنى معدل نمو له منذ عام 2009. إن الاقتصاد الصيني لا يزال من المتوقع أن ينمو بمعدل أكثر من 7.5 في المائة في السنة، لكن هذا الركود في استخدام الديزل يشير إلى أن الجزء القائم على التصدير من الاقتصاد الصيني بالكاد ينمو، بل قد يكون في حالة انكماش.

المؤشرات الاقتصادية للصناعات الخدمية التي تستأثر حاليا بنسبة 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني هي أكثر تفاؤلا، والصورة العامة تشير إلى أن الاقتصاد الصيني في حالة من الانتعاش المستمر وليس في انكماش. في غضون وقت قصير قد يستحوذ البنزين على مكانة الديزل كمحرك رئيس للطلب الصيني على النفط، حيث إن الطبقات الوسطى المتنامية بسرعة يشترون المزيد من السيارات. الصين لا يزال أمامها طريق طويل لتقطعه قبل أن تصل ملكية السيارات فيها إلى مستويات بلدان منظمة التعاون والتنمية، لكن الطلب على البنزين فيها هو الآن ثلثا الطلب على الديزل، مقارنة بالنصف فقط قبل خمس سنوات.

مع تحديث وانفتاح الاقتصاد الصيني، من المتوقع أن ينشر المزيد من المعلومات والبيانات حول قطاع الطاقة بصورة عامة والصناعة النفطية بصورة خاصة، هذا التوجه سيساعد على إلقاء الضوء على اتجاهات الاستهلاك المحلي للطاقة. إن الاقتصادات الحديثة عادة ما تحتاج إلى تقييم ومراجعة لمعرفة كيف هو أداؤها وأيضا للمساعدة في تحديد اتجاهات السياسات المستقبلية، هذا التقييم عادة ما يعتمد على بيانات ومعلومات. هذا الشيء ينطبق أيضا على الصناعة النفطية. في غضون ذلك، فهم ما هو غير معروف هو تقريبا بنفس أهمية ما يمكن استخلاصه من البيانات المنشورة في محاولة لفهم صناعة النفط الصينية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.