.
.
.
.

العالم وأزمة مستقبل الطاقة

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

لله في خلقه شؤون. فقد أراد لنا سبحانه وتعالى وجلَّ شأنه، أن نكون شعوبًا ودويلات تتصارع مع بعضها وتنهك مُقدَّراتها في سبيل غلبة ظاهرية قد لا تدوم طويلاً.

يقتل بعضهم بعْضا، فيهلكون بأفعالهم النسل والحرث، ويعتبرون ذلك فخرًا لهم وانتصارًا على الضعيف منهم. وربما أن الضعيف اليوم يصبح قويا في الغد فيأخذ بثأر أسلافه. وهكذا تدور بينهم الدوائر والكل بطبيعة الحال خسران. ولعل ذلك كان مقبولاً في الزمن الماضي السحيق، عندما كانت الحياة المعيشية تتسم بالبساطة المتناهية والموارد شحيحة.

أما في وقتنا الحاضر، فالأمر مختلف تماما، حيث نشأ في العصر الحديث ما نطلق عليه ''الاقتصاد العالمي''. وهو عبارة عن ترابط وتبادل في المصالح الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية بين الشعوب المختلفة واعتماد بعضها على الآخر إلى درجة كبيرة. والاقتصاد العالمي أصبح يعتمد في نموه وازدهاره على عامل جديد، اسمه ''الطاقة''.

ومع ذلك، وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الوعي بين أفراد المجتمعات المختلفة، فقد استمروا في ممارسة هواية الحروب والمشاحنات واستغلال الغني لمقدرات الفقير. ونسوا أو تناسوا أن محرك اقتصادهم، وهي الطاقة، التي معظم مصادرها اليوم من المواد الأحفورية الناضبة، قد لا تستمر في تلبية حاجاتهم إلى الأبد. وهي مهددة في أي وقت بالنضوب التدريجي دون تعويض إلا من مصادر أخرى جديدة ومتجددة غفلوا عنها ولم يلتفتوا إليها بعد لأنهم لاهون عنها باستنزاف موارد الطاقة النفطية المتيسرة والرخيصة. عالمنا مع شديد الأسف، رغم التقدم الحضاري المذهل، إلا أنه لا يزال يتعايش مع بعضه بعيدًا عن إدراك ما يخبئه له المستقبل. فلا نرى مخططات ولا توجهات نحو خلق اقتصاد جديد لا يعتمد فقط على المصادر الهيدروكربونية الفانية.

وهناك تهويل وتضخيم لما تبقى من مصادر المشتقات النفطية وتفاؤل فوق التصور حول دوام تلك المصادر نفسها بالكمية لعشرات السنين القادمة. وهي فعلاً ستظل مصدراً رئيسا للطاقة لسنوات طويلة ولكنها لن تكفي وحدها دون روافد من المصادر المتجددة. فالمبالغة في دوام الإمدادات الحالية وحدها ستجلب للبشرية جمعاء كوارث اقتصادية يصعب التعافي منها. الطلب العالمي اليوم على المصادر الأحفورية في حدود 90 مليون برميل، وهو لا يزال في صعود. وأكثر من 90 في المائة من الطلب يأتي من النفط التقليدي الرخيص.

وإذا لم يكن هذا النوع من النفوط متدنية التكلِفة قد بلغ ذروة إنتاجه فهو حتمًا على وشك بلوغ الذروة. وهناك دلائل مادية وعلمية كثيرة تؤكد بلوغه الذروة، مما يعني حاجة المجتمع الدولي إلى مصادر إضافية جديدة. ومن المتوقع أن يصل الطلب العالمي في عام 2020 إلى ما فوق 95 مليون برميل في اليوم. وفي نظرنا أن الاتجاه إلى مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية على مستوى العالم سيعطي مردوداً أفضل من مصادر النفوط غير التقليدية، مثل النفط الصخري والصخر النفطي والنفط الرملي وما في حِسبتها.

ولو افترضنا أن الأمور تُرِكت على ما هي عليه اليوم من اعتماد شبه كلي على المصادر التقليدية، وهو ما يحصل اليوم، فإن المجتمع الدولي لا محالة سيفاجَأ بعد عقود قليلة بنقص مخيف في مصادر الطاقة. ولنأخذ العبرة من الدول التي كانت تُصدِّر فائض إنتاجها وأصبحت الآن من المستوردين. وكذلك ندرة الاكتشافات الجديدة خلال ما يزيد على 30 عامًا.

ونحن نعلم جيِّدًا ما هي مؤثرات مثل هذا الحدث في الاقتصاد العالمي الهش. ولا نتوقع أن يكون لمصادر الطاقة غير التقليدية دور كبير في تعويض ما سنفقده من المشتقات النفطية التقليدية الرخيصة، وذلك لعدة أسباب. منها أن المصادر غير التقليدية عالية التكلفة وقليلة الإنتاج. أي أننا لا نتوقع أن تعوض إلا نسبة قليلة من الطلب العالمي على مصادر الطاقة. أضف إلى ذلك أن نسبة كبيرة من المصادر غير التقليدية، ومنها النفط الصخري، تتواجد في بلدان صناعية هي نفسها ستستهلكها ولا مجال عندهم للتصدير. وإنتاجها الملوث للبيئة تحكمه قوانين محلية صارمة، قد تحول دون إنتاجه على نطاق واسع في بعض الدول.. ناهيك عن أن تكلِفة إنتاج أنواع من المصادر الصخرية الأخرى، مثل ''الصخر النفطي''، أعلى من تكلفة الصخر النفطي المعروف.

وزبدة الحديث، هو أننا نعيش في عالم تسوده المصالح الخاصة والقوى السياسية المتنافرة. وكل يحاول أن يعيش ليومه، غير عابئين بما يخبئه لهم القدر من الأمور التي ربما تقودهم إلى أنفاق مظلِمة، نتيجة لسوء التخطيط وعدم تقدير خطورة احتمال نقص الموارد الطاقوية. ولو أن الدول الصناعية والرئيسة في استهلاك الطاقة تبنت مبكرًا برامج واسعة لإنشاء مرافق توليد الطاقة المتجددة المستدامة، لكانت اليوم في وضع أكثر أمانًا وضمانًا لمستقبل البشرية. ولا يزال، وسيظل، المجال مفتوحًا للاستثمار في الطاقة الشمسية المهدَرَة. وفي اعتقادنا أن الطاقة الشمسية، على بساطتها وسهولة إنشاء وتشغيل مرافقها، ستكون في خلال عقود قليلة مصدرًا أساسيًّا لتوليد الطاقة الكهربائية في العالم وتنمو نموًّا سريعًا، يفوق بكثير ما تتنبأ به الوكالات والمؤسسات الدولية المتخصصة. وخصوصًا أن تكاليفها التصنيعية لا تزال في انخفاض مستمر منذ بدأ الاهتمام بها قبل 30 عامًا. وهذا عكس اتجاه جميع مصادر الطاقة الأخرى، قديمها وجديدها. وهذه نعمة من رب العالمين.

وقد يظن البعض أن موضوع الحديث في هذا المقام، وهو ما يتعلق بخطورة حدوث شح شديد في مصادر الطاقة، هو من صنع الخيال أو أنه مجرد تخمين عابر. ولكن في الواقع أن هذا هو رأي نخبة ممن يهمهم استقرار الوضع الاقتصادي الدولي. ونحن نتمنى ألا يسود المجتمع الدولي والحكومات التي تمسك بزمام الأمور التفاؤل غير المنضبط. وكل ما نرجوه هو أن نكون أكثر وعيًا وميلاً إلى اتخاذ الحيطة والحذر من عواقب الغفلة والانشغال بأمورنا ومصالحنا الشخصية على حساب مستقبلنا.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.