.
.
.
.

الحملة لا تقضي على التستر

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

حملة تصحيح أوضاع اليد العاملة غير السعودية خطوة مؤيدة، رغم أنها جاءت متأخرة، ورغم وجود بعض الأخطاء في التطبيق.

ينبغي ألا يقودنا تأييد الحملة إلى المبالغة في محاسنها وإيجابياتها. صرح ويصرح كثير من المسؤولين والناس بأن هدف الحملة المباشر تطبيق نظام الإقامة، والهدف الأبعد القضاء على التستر، أو الدفع تجاه القضاء عليه. أو تكاد أن تقضي عليه، أي لا تبقي منه إلا قليلا، هذا وهم. حمل الناس على تطبيق نظام الإقامة، يركز بطبيعته، على الشكل دون المضمون من النظام، الذي يساعد على فهمه، أعني المضمون، نظام مكافحة التستر. ذلك لأن للناس ألف طريقة وحيلة لتطبيق النظامين شكلا وليس روحا. أما المضمون فصعب جدا تطبيقه، بل الأقرب أنه غير قابل للتطبيق، فالسلطات لا تعلم الغيب.

سيقول قائلون كيف؟ هلا شرحت؟

جوهر الحملة تطبيق نظام الإقامة أولا ونظام مكافحة التستر ثانيا.

فيما يخص الأول، أهم ما فيه، أعني نظام الإقامة، إلزام الوافد بالعمل عند ما يعرف عند الناس بالكفيل. والمخالفون تحت طائلة العقاب.

طبعا لا يمكن حصر معنى العمل عند الكفيل بوجود الوافد بدنيا في منشأة الكفيل. إذ المنشآت تتعاقد مع الآخرين لأداء خدمات لهم في أماكنهم. ومن ثم فالترتيبات التعاقدية المنسجمة أو المتفقة مع نظام الإقامة ممكنة وبسهولة. ومن الممكن عمل الترتيبات التعاقدية التي تظهر الطرفين مطبقين للأنظمة، وتبقى التفرقة في النية، والنية محلها القلب. بعبارة أخرى، التطبيق، من حيث طبيعته ومن حيث التفتيش عليه، يرتكز على الشكل، أما المضمون فشأن صعب جدا اكتشاف مخالفته.

على سبيل المثال، يمكن لفني الصيانة الذي تجلبه من محله لصيانة منزلك، أن يؤدي العمل، وبالترتيب مع كفيله، بصورة متفقة شكلا مع نظام الإقامة (ومكافحة التستر أيضا). التشديد في تطبيق النظام سيترجم في الأغلب إلى مزيد عمولات يتقاضاها الكفيل من فني الصيانة، ومن ثم زيادة تكلفة أعمال الصيانة.

أما فيما يخص الثاني نظام مكافحة التستر، فمن يتأمل هذا النظام يدرك أنه نظام صعب جدا تطبيقه. لنا الادعاء أن ما لا يقل عن 90 في المائة من المحال والورش المنتشرة في شوارعنا تمارس التستر. كل المقاولين والمهنيين تقريبا الذين بنوا بيوت الناس متستر عليهم حسب التعريف النظامي للتستر. من الصعب جدا أن تعمل هذه الأنشطة من دون تستر.

لنقرأ ما قاله النظام الصادر في نسخته الأخيرة عام 1425، ولائحته التنفيذية الصادرة عام 1426. نصت المادة الأولى من نظام مكافحة التستر على الآتي:

لا يجوز لغير السعودي – في جميع الأحوال – أن يمارس أو يستثمر في أي نشاط غير مرخص له بممارسته أو الاستثمار فيه بموجب نظام الاستثمار الأجنبي أو غيره من الأنظمة واللوائح والقرارات.

ويعد – في تطبيق هذا النظام – متستراً كل من يمكن غير السعودي من الاستثمار في أي نشاط محظور عليه الاستثمار فيه أو ممارسة أي نشاط محظور عليه ممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري، أو بأي طريقة أخرى.

نحن نعتمد على الآخرين اعتمادا شبه كلي في إدارة وتشغيل الأنشطة الصغيرة، كالمطاعم ومغاسل الملابس والورش ومحال الصيانة والإصلاحات بأشكالها كافة، ومحال البيع الصغيرة لأنواع عديدة من السلع، ودكاكين النجارة والحلاقة واللحوم والطباعة والتصوير ... إلخ. هذه الأنشطة في العادة باسم مواطنين، ولذا تعتبر من التستر.

رغب في معالجة الوضع عبر نظام الاستثمار الأجنبي وهيئة للاستثمار، لكنه نظام خلط بين الاستثمار والترخيص بالممارسة المهنية التي لا تتطلب إلا رأسمال صغيرا.

ما الحل لهذه الإشكاليات والمشكلات؟

طرحت حلول واقتراحات كثيرة في موضوع التوظيف والتستر. مهما كانت الحلول، فإنني أرى أن من شروط نجاحها على المدى البعيد إلغاء بطريقة أو بأخرى أسلوب الكفالة (حسب التسمية السائدة)، وترك الحرية لغير السعودي في اختيار صاحب العمل (ضمن ضوابط). ولكن إلغاء الكفالة الخاصة لن ينجح من دون تحديد سنوي صارم ودقيق لنوعية وعدد التأشيرات السنوية التي تمنح للأجانب بغرض العمل وممارسة أنشطة مهنية، وأن تكون مدة التأشيرات للإقامة في المملكة بأنواع عدة بناء على اعتبارات كثيرة. ومن يرغب بعد ذلك في توظيف يد عاملة وطنية أو غير وطنية (تحمل إقامة نظامية) فله أن يفعل ذلك إنما من الداخل فقط، كما هو الوضع في دول العالم. والموضوع يتطلب تفاصيل ليس مجالها هنا، وبالله التوفيق.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.