.
.
.
.

إمكانية تحقيق أمريكا الاكتفاء الذاتي من النفط

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تسارَعَ نمو إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري خلال السنوات القليلة الماضية، وأضاف هذا النمو المزيد من إنتاج النفط الخام إلى الإنتاج التقليدي. وتجاوز إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام وارداتها هذا العام، وذلك لأول مرة منذ فترة طويلة. وتم التطرق بإسهاب إلى نمو إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وأنها ستتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط في غضون ثلاث أو أربع سنوات. وكثر الحديث عن ضخامة احتياطياتها من النفط الصخري، حيث يعتقد بعض المختصين أن باستطاعة الولايات المتحدة استخراج كميات نفط صخري تفوق في حجمها أربعة أضعاف احتياطيات المملكة الهائلة من النفط التقليدي.

ويحتاج إنتاج النفط الصخري إلى استثمارات ضخمة ومستمرة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتراجع السريع في إنتاج آبار النفط الزيتي، هذا إضافة إلى الأضرار البيئية من عمليات الحفر، خصوصاً تأثيراته الوخيمة في المياه الجوفية واستهلاك كميات ضخمة من المياه في العمليات الإنتاجية.

وتعاني شركات إنتاج النفط الصخري تسارع تراجع الإنتاج، حيث ينخفض إنتاج الآبار بنسبة 40 في المائة بعد السنة الأولى من الإنتاج ويتوالى التناقص السريع بعد ذلك، ولهذا تحتاج الشركات المنتجة إلى الاستمرار في عمليات الحفر المكلفة وشراء المزيد من الأراضي. وتم استثمار مبالغ ضخمة في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة وذهب الجزء الأكبر منها للحفاظ على مستويات الإنتاج، حيث يقدر بعض المراقبين أن ثلثي الاستثمارات السنوية التي حدثت في قطاع إنتاج النفط الصخري تذهب للحفاظ على معدلات الإنتاج ثابتة.

ويُقَدر أن قيمة الاستثمارات في قطاع النفط الصخري الأمريكي وصلت إلى 120 مليار دولار في العام الماضي، ذهب نحو 80 مليار دولار منها للحيلولة دون تراجع مستويات الإنتاج. وتحتاج زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري إلى استثمارات ضخمة في السنوات القادمة تفوق هذه المبالغ. ويشكك الكثير من المختصين في إمكانية توافر هذه الموارد في الوقت الحالي، ولهذا يرى كثير من المراقبين أن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط الخام خلال فترة وجيزة محدودة جداً.

وستقود أي زيادة كبيرة في إنتاج الزيت الصخري إلى الضغط على أسعار الزيت الخام في الولايات المتحدة وتدفعها للتراجع، أي أن مخاطر تراجع أسعار النفط - بسبب زيادة إنتاج الولايات المتحدة - تهدد صناعة الزيت الصخري الأمريكي نفسها. وتراجعت في الفترة الأخيرة أسعار الزيت الخام في الولايات المتحدة بعشرة إلى 15 دولاراً للبرميل عن أسواق آسيا وأوروبا. ويضع هذا التراجع المزيد من الضغوط على صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذي ينتج الكثير منه عند تكاليف قريبة من الأسعار العالمية.

وتفترض الأسواق ومن ضمنها الأسواق الأمريكية أن تقوم منظمة أوبك - كما فعلت طوال السنوات الماضية - بالدفاع عن الأسعار وإبقائها حول مستويات المائة دولار للبرميل، حيث سيمكن بقاء أسعار النفط عند هذا المستوى المنتجين الأمريكيين من مواصلة إنتاج وتطوير حقول النفط الصخري وزيادة الإنتاج. ويقوم أعضاء منظمة أوبك كمجموعة بدور المنتج المرجح للدفاع عن الأسعار وخفض الإنتاج عند التخمة في الإمدادات أو زيادة الإنتاج عند وجود عجز في الأسواق.

وفي ظل تزايد إنتاج الولايات المتحدة للنفط الصخري فإن دفاع ''أوبك'' عن الأسعار الحالية يلزمها بخفض إنتاجها الكلي. وهذا يعني فقد دول المنظمة المزيد من حصصها لمصلحة المنتجين الأمريكيين الذين لن يتحملوا أي تكلفة من تكاليف الدفاع عن الأسعار. ولا أعتقد أن ''أوبك'' ستسمح بحدوث هذا، حيث إن تراجع نصيب ''أوبك'' من النفط ليس جيداً لمصلحتها. ومن شبه المؤكد فإن ''أوبك'' ستتراجع قليلاً عن استراتيجية الدفاع عن الأسعار لمصلحة المحافظة على حصص الأسواق في الوقت الحالي.

وإذا واصل المنتجون الأمريكيون زيادة إنتاجهم من النفط الصخري فستنخفض الأسعار، حيث يتسبب رفع الإنتاج بنحو مليون برميل يومياً فوق مستويات التوازن بين العرض والطلب في تراجع أسعار النفط بنحو عشرة دولارات للبرميل. وما لم تقم دول ''أوبك'' بخفض حصص إنتاجها من النفط فمن المتوقع أن تقود زيادة إنتاج الصخر الزيتي الأمريكي إلى تراجع أسعار النفط، وهذا التراجع سيخفض الإنتاج الأمريكي في مرحلة لاحقة. ويقدر البعض التكلفة الحدية لإنتاج النفط الصخري بنحو 92 دولاراً للبرميل، بينما يرى آخرون أنها تتجاوز المائة دولار للبرميل. ونتيجةً لذلك سيتردد الكثير من المستثمرين قبل المغامرة بأموالهم في استثمارات النفط الصخري الأمريكي.

ويبدو أن تشكيك الكثير من المراقبين في قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط الخام أقرب إلى الصواب، على الرغم من امتلاكها احتياطيات ضخمة من النفط الصخري.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.