هل إنتاج النفط الصخري مخطط أمريكي؟

عثمان الخويطر
عثمان الخويطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

قد يظن البعض، ممن ليس لديهم خلفية عن نظم التملُّك والتعدين في الولايات المتحدة، أن بدء إنتاج النفط الصخري والغاز الصخري في هذا الوقت بالذات، من تدبير الحكومة الأمريكية ضمن سياستها التي ترمي منذ أمد بعيد إلى محاولة الاستغناء عن نفوط الشرق الأوسط وإفريقيا. هذا غير صحيح على الإطلاق، على الرغم من تكرار التصريحات النارية التي غالبًا ما كنا نسمعها من مرشحي الرئاسة الأمريكية خلال العقود الماضية، التي كانت تدعو صراحة إلى إيجاد مصادر جديدة للطاقة داخل حدود أمريكا لضمان أمنها الطاقوي. وهي أمنية جميع رؤساء أمريكا في العصر الحديث كانوا يحلمون بها.

وقد كان إنتاج أمريكا من النفط التقليدي قد بلغ ذروته عند عشرة ملايين برميل في اليوم، وذلك في عام 1970. وبعد هذا التاريخ بدأ مرحلة طويلة من الهبوط حتى وصل إلى أدنى مستوى له عند خمسة ملايين برميل في عام 2005. ومع تحسن وسائل الإنتاج وارتفاع السعر إلى مستويات قياسية أمكن إضافة كميات جديدة لم يكن إنتاجها من قبل اقتصاديًّا. وفجأة، ودون سابق إنذار، ظهرت خلال السنوات الخمس الماضية ما يسمونها ''ثورة النفط الصخري في أمريكا''. وهي، ''مجازيًّا'' فعلا تمثل ثورة بالنسبة للإنتاج النفطي هناك، وخصوصًا ارتباطها المباشر مع إنتاج الغاز الصخري الذي أدى إلى هبوط أسعار الغاز في أمريكا من 14 دولارًا إلى ما دون الدولارين لِوِحدة القياس، وهي أقل من سعر تكلِفة الإنتاج.

وإن كانت أسعار الغاز قد بدأت الآن في الصعود تدريجيًّا، حيث يُتوقع أن تصل إلى قريب من ثمانية دولارات في حال موافقة الجهات المختصة لبعض الشركات بالتصدير، على الرغم من المعارضة الشديدة من شركات البتروكيماويات والمواطنين الذين يرون في التصدير دعوة صريحة لرفع الأسعار. ناهيك عن المؤثرات البيئية التي يخلفها الإنتاج الصخري ويتحمل تبعاتها المواطن الأمريكي.

ففي أمريكا الشمالية، الأراضي التي يملكها المواطنون، يملكون أيضا جميع ثرواتها الطبيعية، سواء كانت فوق سطح الأرض أو تحت الأعماق، ولهم كامل الحرية في التصرف فيها، حسبما تسمح به القوانين المحلية والفيدرالية. وكان معلومًا لدى الجميع منذ عشرات السنين وجود المواد الهيدروكربونية في أماكن مُعيَّنة داخل طبقات صماء من الصخور الرسوبية، على أعماق تراوح في الغالب بين 1500 و 2000 متر تحت سطح الأرض، ممثلة في السائل النفطي والغاز.

ولم يمنع من إنتاجها في الماضي إلا ارتفاع تكلِفتها، عندما كان سعر برميل النفط أقل بكثير من مستواه الحالي. وبما أن إنتاج النفط الصخري، وكذلك الغاز الصخري، يخضعان للربح والخسارة، أي أن استخراجهما في الولايات المتحدة عبارة عن عملية تجارية بحتة، فقد وجد المستثمرون أخيرا أنه قد حان وقت إنتاج مثل هذه النفوط، بعدما وصل سعر برميل النفط فوق 100 دولار. واستخدموا في ذلك تكنولوجيا الحفر الأفقي وعملية التكسير الهيدرولوكي المعروفتين في محيط الإنتاج النفطي منذ عشرات السنين. وتكلِفة إنتاج برميل النفط الصخري تراوح بين 60 و80 دولارًا للبرميل.

وسبب ارتفاع التكلفة يعود إلى عدة عوامل أهمها ضرورة استخدام عملية التكسير الهيدرولوكي، وهي عملية تستوجب ضخ كميات تصل إلى خمسة ملايين جالون من الماء مع كمية من الرمل والمواد الكيماوية تحت ضغط كبير من أجل إحداث شقوق في الصخور الحاملة للمواد الهيدروكربونية تسمح للسوائل النفطية أو الغاز بالجريان إلى فوهة البئر. وهي عملية مكلفة ماليا. ومعدل كمية إنتاج البئر الواحدة أقل من 200 برميل في اليوم وتتضاءل بقدر كبير خلال السنوات الثلاث الأولى من عمرها، مما يتطلب إعادة عملية التكسير أو حفر آبار جديدة، وهو الأغلب. ومن باب التذكير، فإن معدل إنتاج آبارنا يزيد على أربعة آلاف برميل في اليوم ويمتد عمر البئر إلى أكثر من 30 عامًا.

الحكومة الأمريكية، بطبيعة الحال، رحبت بالإنتاج الجديد ومنحت المنتجين مميزات كثيرة، أغلبها يتعلق بتخفيف تطبيق قوانين تلوث البيئة الصارمة، وخصوصًا أن هذه الطفرة النفطية قد أوجدت مئات الآلاف من الوظائف في أماكن الإنتاج وهو ما يلبي هدفًا مهمًا من أهداف الرئاسة الأمريكية. ومع ذلك، فبعض شركات الإنتاج الكبيرة أعلنت عن أنها قد تكبدت بعض الخسائر في عمليات إنتاج الغاز الصخري. ومن المبكر إصدار حكم على مستقبل الشركات الصغيرة الأخرى.

وقد بلغ إنتاج النفط الصخري ما يقارب مليون و500 ألف برميل في اليوم، وهي لا تمثل إلا 1.7 في المائة من الإنتاج العالمي، بينما ما تفقده الحقول النفطية المنتِجة حول العالم سنويًّا أكثر من ضعف هذه الكمية. وهناك تكهنات وتوقعات، وليست مخططات، تذكر أنه بإمكان أمريكا أن يصل إنتاجها من النفط الصخري في عام 2017 إلى خمسة ملايين برميل في اليوم. ولكن ذلك حلم لن يتحقق قريبًا، إلا في حالة ارتفاع الأسعار فوق المستوى الحالي، وعدم ظهور مقاومة شعبية قوية ضد التلوث البيئي الذي تحدثه عمليات التكسير.

فدول أوروبية قد تبنت قوانين تمنع تنفيذ عمليات التكسير على أراضيها. ومن المحتمل أو شبه المؤكد أن إنتاج النفط والغاز الصخري خارج الولايات المتحدة لن يكون مجديًا اقتصاديًّا في الوقت الحاضر عند السعر الحالي العالمي، الذي لا يتجاوز 115 دولارًا للبرميل. إضافة إلى صعوبة وتكلفة جلب المعدات اللازمة إلى مواقع الحفر والإنتاج. والتلوث البيئي، الذي يُخشى حدوثه، سواء فوق سطح الأرض أو في الطبقات الحاملة للمياه الجوفية، يُعتبر من أهم معوقات عمليات إنتاج الغاز والنفوط الصخرية. وقد لا تظهر معالم التلوث البيئي أثناء أو بعد عملية الإنتاج مباشرة، بل من المحتمل ألا يُلاحظ تأثيره وشدة تفاقمه إلا بعد عدة عقود، وهذا ما يُخيف المجتمعات التي تقطن قريبًا من مواقع عمليات التكسير الهيدرولوكي.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.