نحتاج إلى طاقة لإنتاج الطاقة

عثمان الخويطر
عثمان الخويطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

هناك في حياتنا أمور لا نعيرها الكثير من الاهتمام، على الرغم من أهميتها كثقافة عامة. ربما لأن المطلوب معرفته هو مجرد معلومة بسيطة بالنسبة للمواطن العادي الذي أكثر ما يشغل باله هو البحث عن مصادر المعيشة. فكم منا، على سبيل المثال، من لا يدرك أن إنتاج أي مصدر لتوليد الطاقة يحتاج هو نفسه إلى طاقة تحرره من موطنه وتقربه لنا جاهزا للاستخدام؟ وللعلم، فكلما قلَّت قيمة ومقدار الطاقة المطلوبة لإنتاج مصدر الطاقة الذي نحن نريده كان ذلك أفضل وأصبح أقل تكلفة. وإذا احتاج الأمر إلى استهلاك طاقة أكبر كان ذلك من دواعي رفع تكلِفة الناتِج المطلوب.

فإنتاج كمية من النفط الخام من الحقول النفطية، كما هو حاصل اليوم في بلادنا التي تنتِج النفط، يتطلب ذلك استهلاك كمية معينة من مصادر الطاقة المختلفة. وتتفاوت التكلفة الإنتاجية من حقل إلى آخر ومن بلد إلى آخر، وأيضا من وقت إلى آخر. لأن تكلفة إنتاج أول برميل من الحقل تكون أقل بكثير من آخر برميل. ومن المعروف أن الفارق بين تكلفة إنتاج حقل من النفط التقليدي، كالنفوط التي تتواجد في منطقة الشرق الأوسط، وبين ما يسمى بالنفط الصخري أو الصخر النفطي، قد يراوح بين 5 و 15 ضعفًا.

وبوجه عام، فإننا في السعودية نستخدم اليوم معدل قيمة برميل واحد لإنتاج 20 برميلاً من النفط الخام، أي بنسبة 1 إلى 20. وقد كانت النسبة في الماضي، أي قبل ما يقارب 40 عامًا، 1 إلى 40، عندما كانت الحقول في مراحلها الأولى من إنتاجها. ومعروف أنه مع مرور الوقت وتقدم عمر الحقول ترتفع تكلِفة الإنتاج، لأسباب ليس هذا مجال شرحها. أما النفط الصخري، الذي بدأت أخيرا تنتِجه الولايات المتحدة، فإنهم يحتاجون إلى 16 برميلاً مكافئًا من أجل إنتاج 20 برميلاً من النفط. وتتضاعف هذه النسبة لو حاولت أي جهة خارج أمريكا إنتاج النفط الصخري، وذلك لأسباب هي في الغالب لوجستية، تتعلق بجلب المعدات المطلوبة من أمريكا إلى مواقع الحفر والإنتاج خارجها.

أي أننا ربما نحتاج إلى أكثر من 30 برميلاً مكافئًا لإنتاج 20 برميلا من النفط الصخري خارج الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل إنتاج النفط الصخري خارج أمريكا في الوقت الحاضر، وفي ظل الأسعار النفطية الحالية، غير مجدٍ اقتصاديًّا.

وكذلك الحال بالنسبة لإنتاج الصخر النفطي، وهو يختلف جذريًّا عن النفط الصخري، فتكلفة إنتاجه أعلى بكثير من تكلفة إنتاج النفط الصخري الذي تنتجه حاليا الولايات المتحدة. ولم يحن وقت إنتاج الصخر النفطي بعد، عند الأسعار النفطية السائدة اليوم. ومن المتوقع أن يكون إنتاجه اقتصاديًّا عندما يصل سعر البرميل 150 دولارا فما فوق.

وعملية حفر الآبار وإنتاج النفط من مكامنه ونقله إلى معامل الإنتاج ومرافق التكرير ثم نقل المواد المكررة إلى مواضع الاستهلاك، كل هذه المراحل تستهلك أنواعًا مختلفة من مصادر الطاقة تراوح بين المواد والمشتقات الهيدروكربونية والطاقة الكهربائية والقوى الميكانيكية.

إضافة إلى تكلفة الجهود البشرية. ويتحول مجموع هذه المصادر إلى وحدة البرميل المكافئ. ثم نقارن بينها وبين عدد براميل النفط التي نحصل عليها من طاقة برميل واحد مكافئ.

وهذا توضيح مُبسَّط للفارق الكبير بين تكلفة المراحل الأولى من الإنتاج النفطي وبين تكلفة المراحل المتأخرة، بعد مضي عشرات السنين من عمر الحقل. هذا المثال ينطبق على أحد مواقع الحقول السعودية المشهورة في المنطقة الشرقية. وعادة تُحفر الآبار في وسط الحقل ويوجه الإنتاج عبر مجموعة من خطوط الأنابيب إلى نقط تجمُّع، يقام فيها ما يسمى بمعمل الإنتاج. وكان المعمل آنذاك يتكون من صهريجين كبيرين ومضختين من أجل دفع الإنتاج إلى مرافق التكرير أو إلى موانئ النقل البحري، وذلك بعد فرز الغاز المصاحِب عن السائل النفطي. وكان المعمل مصمم لإنتاج 300 ألف برميل في اليوم الواحد.

وكانت عملية الإنتاج تسير ببساطة متناهية إلى درجة أن المعمل كان خاليًا من وجود المشغلين. كل ما هنالك أنه كان مُحاطًا بسياج حديدي لمنع البهائم من الدخول إليه. وإذا حدث خلل في العملية يتوقف المعمل أوتوماتيكيًّا ويرسل إشارة لاسلكية إلى مركز المراقبة في الظهران.

وبمجرد تسلم الرسالة يقوم الموظف المناوب بإشعار المسؤولين عن الإنتاج من أجل إرسال فرقة تتكون من عاملين لإعادة تشغيله. وكل ذلك يتم في خلال أقل من ساعة واحدة. وهكذا كانت تسير الأمور الإنتاجية في ذلك المعمل من نهاية الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات. حيث تغيرت وتيرة الإنتاج وأصبح الوضع يتطلب إضافة الكثير من المعدات والصهاريج والمضخات ووسائل التحكم. واتسعت مساحة المعمل عدة أضعاف. وكمية الإنتاج لم تتغير عن 300 ألف برميل في اليوم. إضافة إلى إنتاج كميات من المياه الجوفية المالحة المختلطة بالنفط ويتم فرزها في المعمل.

ولكن التكلفة دون شك تضاعفت عدة مرات. وأصبح من الضروري وجود عدد كبير من المشغلين وموظفي الصيانة ورجال الأمن الصناعي على مدار الساعة. هذه حالة مثالية ولكنها حقيقية، ولم تكن عامة في جميع الحقول السعودية.

والشاهد هنا أن تكلفة إنتاج برميل النفط تتضاعف مع مرور الوقت. فالتكلفة تكون متدنية في المراحل الأولى من عمر الحقول النفطية، ثم تستمر في الارتفاع بنسب تختلف من موقع إلى آخر. وفي الغالب، يزداد إنتاج كمية الماء المصاحب للنفط حتى يبلغ مستوى تكون فيه الأكثرية للماء وتقل نسبة كمية النفط إلى درجة تجعله غير اقتصادي ويتوقف الإنتاج. وهذا يحدث بعد عشرات السنين، ولكنه أمر لا بدَّ من بلوغه في يوم ما.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.