.
.
.
.

قراءة في انتخابات غرفة جدة

زكي أبوالسعود

نشر في: آخر تحديث:

رغم أن انتخابات مجالس الغرف التجارية لا تعني الأغلبية الساحقة من الناس، إلا أنه من الصعب تجاهل ما يجري في هذه المنظمة المجتمعية من منافسة للوصول إلى مجالس إداراتها. وقد شهدت الدورات الأخيرة منافسة حادة للفوز بهذه العضوية، كما شاهدنا في انتخابات غرفة جدة الأخيرة، حيث لم يعد هذا التنافس مقتصراً على رجال الأعمال وحدهم، بل وتشترك في هذه المنافسة سيدات الأعمال اللاتي وجدنا في التسابق للوصول إلى قيادة هذه الغرف تثبيتاً لحضورهن الاجتماعي، وتدعيما لمراكزهن كسيدات أعمال لهن من المصالح مثل ما للرجال.
إن غرفنا التجارية الصناعية ليست بمنظمات مجتمع مدني متكاملة الأركان، فأهدافها «التي وضعتها لها وزارة التجارة»، لا تتضمن المشاركة في تقرير السياسة الاقتصادية، وتفرض عليها البقاء كقناة ذات اتجاه واحد تستخدمها الأجهزة الحكومية للتواصل مع أعضاء الغرف، والاكتفاء بدور المتلقي النجيب، الخاضع لوزارة التجارة التي تتدخل في مجمل أنشطتها، ليس فقط من خلال أنظمتها الداخلية، وإنما أيضاً عبر تعيين ثلث أعضاء مجالسها. هذا الثلث قد لا يكون على توافق أو انسجام مع بقية الأعضاء المنتخبين، الذي جاء فوزهم كنتيجة لاقتناع المقترعين بهم، فمنحوهم أصواتهم لعضوية مجالس الإدارة، بينما الثلث المعين لم يصل لهذه العضوية إلا وفقا لقناعات وحسابات معينة تمت في أروقة وزارتي التجارة والصناعة.
إن هذا التدخل المباشر في تركيبة مجالس الغرف التجارية يوهن من مكانتها ككيان لها ثقله في النشاط المجتمعي، ويحد من استقلاليتها في التعبير عن مصالح طبقة رجال الأعمال، مثلما تفعل النقابات والمنظمات المهنية المستقلة. ولكن رغم كل هذا التدخلات ذات التأثير الكبير في مسار نشاطها، إلا أنه لا يسلبها دورها في الحفاظ على مصالح أعضائها، ولا يبخس من مساعيها لزيادة أنشطتهم وتوسيعها، ولا يضعف من المكانة الوجاهية التي يكتسبها أعضاء مجالسها الإدارية.
لقد ساعدت الزيادة الكبيرة في الأنشطة الاقتصادية في الربع قرن الماضي على انضمام وجوه جديدة إلى عالم الأعمال، وعلى زيادة أعداد المنتسبين للغرف التجارية، الذين لم يسبق لهم شغل مواقع بارزة في تجمعات رجال الأعمال تتوافق مع نوعية ومقدار أعمالهم، وتتيح لهم اكتشاف أو التعرف على أدوات أو قنوات جديدة تساعدهم في تنمية أعمالهم. وهنا تأتي عضوية مجالس الغرف التجارية كوسيلة -يراها بعضهم- تختصر الطريق المؤدي إلى تحقيق طموحاتهم. وخلف ذلك يقبع واحد من الأسباب الجوهرية في زيادة وتيرة التنافس بين منسوبي الغرف.
إن صلاحيات وإمكانات الغرف المحدودة تترك بصماتها على نوعية المواضيع التي يمكن للمرشحين أن يقدموها ويضمونها في برامجهم الانتخابية، فلكي يميز أي مرشح نفسه عن بقية المرشحين، لا بد له من الإبداع في إثراءِ برنامجه بأفكار وأطروحات غير مكررة، تكون قادرة على استقطاب معظم أصوات الناخبين، الباحثين عن الأكفأ ليمنحوه ثقتهم، ولكن في حالة عدم قدرة المرشح على تقديم نفسه كمرشح متميز يمتلك برنامجاً جذاباً، فإنه يلجأ إلى وسائل أخرى للحصول على أصوات الناخبين، التي من ضمنها اللعب على وتر العاطفة الدينية لإقناع الناخبين بأنه المرشح الأصلح لهم، لما يملكه من حس ديني. فيقوم مشايخ ودعاة بتزكية بعض المرشحين وبث هذه التزكية بين المقترعين الذين يجدون أنفسهم محاصرين ببرامج لا تقدم لهم سوى الكلام المعسول، وبدعوات وتصاريح هؤلاء المشايخ. كما حدث في انتخابات غرفة جدة الأخيرة من قيام داعية «شهير» بتزكية ثلاثة مرشحين من أعضاء إدارة الغرفة السابقة إضافة إلى مرشح جديد، تحت حجة أن تزكيتهم «خدمة يقدمها الشرعي والعالم للمجتمع»، فلا يجد المُنتخِب العادي بُداً غير التصويت لهؤلاء الذين منحهم العالم الشرعي ثناءه وتأييده. إن هذا الثناء يقابله في الوقت نفسه ممارسة إقصائية للمرشحين الآخرين الذين يعتبرهم هذا العالم الشرعي غير جديرين بالفوز، لأنهم ليسوا ضمن تصنيفه الذي يشفع لهم وقت الاقتراع. فهو يطلب من المقترعين أن لا ينظروا إلى قدرات هذا المرشح، أو ماذا يحتوي برنامجه الانتخابي من أهداف، وإنما يعتمدوا على تقييمه، الذي لا يعلم به إلا الله وحده. وقد مُورس هذا الإقصاء منذ البداية تجاه المرأة، حينما جرى التضييق على المرشحات بوسائل مختلفة، كدعوة الهيئة لزيارة المقر الانتخابي بحجة وجود النساء داخل مقرات الانتخابات، والمطالبة بحضور أولياء أمور المرشحات بدلاً عنهن في أيام التصويت المخصصة للرجال، ومنع الصحفيات والإعلاميات من دخول مقر الانتخابات. وقد لعبت هذه الممارسات الإقصائية «المعروفة منها وغير المعروفة» دوراً مهماً في خسارة جميع المرشحات.
إن خطورة هذا النهج الإقصائي لا تنحصر في محاولاتهم إبعاد المرأة عن المشاركة في الحياة العامة، وإنما في تقسيم المجتمع على قاعدة «الحس الديني»، فمن لديه هذا الحس -كما هم يرونه ويلائمهم- فهو المواطن الصالح، ومن يصنفونه بغير ذلك فعليه السلام.
إن التصدي لهذا التيار الإقصائي واللا وطني لا يأتي من خلال الدعوة للتوقف عن تصنيف الناس على أسس دينية ومذهبية وعصبية وما غير ذلك، بل يجب مواجهته بخطوات عملية تتمثل في إفشال كل النتائج المترتبة على هذه الدعوات، ومحاسبة كل من يشترك فيها.

*نقلا عن الشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.