.
.
.
.

ما الذي سيقود النمو في «التعاون الخليجي»؟

يارمو كوتيلين

نشر في: آخر تحديث:

سيذكر عام 2013 في تاريخ مجلس التعاون الخليجي كعام من التعزيز النسبي لاقتصادات دول المجلس، الذي تلا حقبة من النمو السريع الاستثنائي، فعلى سبيل المثال كشف صندوق النقد الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمنطقة ككل خلال عام 2013 بلغ 3.7 في المائة في انخفاض حاد عن معدلاتها في عامي 2011 و2012 والتي بلغت 7.7 و5.2 في المائة على التوالي. لكن السبب في قدرة دول المجلس على تحقيق هذه المعدلات المرتفعة يعود بشكل كبير إلى عدد من العوامل المؤقتة، كان أبرزها الزيادة الملحوظة في إنتاج النفط وارتفاع الأسعار ناهيك عن الارتفاع الكبير في معدلات الإنفاق الحكومي لمواجهة التقلبات الدورية، فيما يعود السبب في تباطؤ النمو الذي شهدته المنطقة خلال عام 2013 إلى تراجع أو انخفاض أهمية هذه المحركات. في المقابل قادت القطاعات غير النفطية في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي محرك النمو في مناخ مبشر لإعادة التوازن. هذه الديناميكية الإيجابية يعود الفضل فيها إلى الثقة في مرونة الاقتصادات والنمو السريع للائتمان المصرفي.

ومن المتوقع أن يشهد عام 2014 عودة البندول إلى التأرجح مرة أخرى في الاتجاه المعاكس حيث يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع نسبة النمو إلى 4.1 في المائة، نتيجة لعودة التراجع في قطاع النفط الإقليمي في التحرك في الاتجاه المقابل في النصف الثاني من العام، ويتوقع أن تتحقق بعض مكاسب الإنتاج في عام 2014. ولذا هناك توقعات بأن يعود نمو قطاع النفط إلى الارتفاع من مجرد 0.4 في المائة في عام 2013 إلى 1.5 في المائة عام 2014. في الوقت ذاته ينبغي أن يستمر الإنفاق الحكومي في التوسع عبر المنطقة، رغم أن زخم الزيادة المحدودة سيكون متواضعا بشكل كبير وفق المعايير التاريخية.

لكن تأثير القاعدة (التضخم) وحده ينبغي أن يعزز من إسهامات القطاع الخاص. فقد شهد عام 2013 زيادة محدودة نسبيا في الإنفاق العام بعد عام متقلب في 2012. وهو ما يمثل مساهمة أكثر ضآلة من زيادة حتمية مقابلة يمكن أن يشهدها هذا العام. ورغم مرور المنطقة بمتغير محلي للتعزيز المالي، فإن غالبية الميزانيات الإقليمية لا تزال توسعية بشكل كبير، وتحول الموقف المالي نتيجة لجهود تخفيف معدل الزيادة في الإنفاق لا عبر خفض الإنفاق.

ويتوقع أن يتواصل نمو القطاع الخاص بقوة، فلا تزال مؤشرات المستهلك وثقة الشركات تشهد ارتفاعات كبيرة، ويرجع الفضل في ذلك إلى الجهود الناجحة التي قامت بها الشركات والحكومات الإقليمية للتعامل مع المخاطر والضعف البنيوي. وتبدو احتمالية وقوع ضرر واضح للنشاط الاقتصادي الآن محدودة للغاية، فلا تزال غالبية الصناديق السيادية الإقليمية والشركات مستمرة في إصلاح حساباتها في بيئة سوق جيدة بشكل عام. وقد بدأت التحديات الرئيسة التي تواجه النمو في بعض مناطق دول مجلس التعاون - سوق العقارات - تشهد تعافيا، رغم تفاوت هذا التعافي، الذي يلقى تأثيرات إيجابية بشكل عام. ولا يزال القطاع المصرفي الإقليمي أكثر سيولة وقوة نتيجة الإصلاحات التنظيمية التي جرى تنفيذها في السنوات الأخيرة، وستتواصل مشروعات البنية التحتية الرئيسة في دعم النشاط بعدد من الروابط مع باقي روافد الاقتصاد، نظرا لتأثير أحداث رئيسة مثل معرض دبي وورلد إكسبو 2020 سيعزز من هذه الثقة.

وهناك ثلاثة مخاطر رئيسة تواجه هذه النظرة الجيدة؛ أولها التراجع عن السياسة النقدية المتحررة بشكل كبير التي بدأتها الاقتصادات الغربية، ورغم أن التقدم ربما يكون بطيئا، فإن المتوقع أن يشكل ذلك ضغطا على معدل الفائدة العالمية، وهو الأمر الذي سيترجم ربط الدولار بالاقتصادات الإقليمية إلى زيادة نفقات التمويل. لكن التأثير الهامشي والنهائي، يتوقع أن يخفف من نشاط القطاع الخاص. ثانيها، لا تزال توقعات سوق النفط العالمية غير مؤكدة. وهناك إمكانية واضحة لزيادة المعروض من النفط من المصادر التقليدية، لكن في ظل زيادة الإنتاج من حقول دول أميركا الشمالية غير التقليدية. ورغم التوقعات بعدم احتمالية حدوث تصويبات للسعر، فإن هذه الاعتبارات ربما تترجم إلى تقلب متكرر في الأسعار ويتوقع أن تخفض من احتمالية حدوث زيادة معقولة. ومن المتوقع أن يترك ذلك أغلب الدول المنتجة في مجلس التعاون الخليجي بهامش متواضع نسبيا بين أسعار السوق الفعلية وأسعار التعادل المالية. الثالث، هو أن تعافي القطاع العقاري ماليا يتطلب إشرافا دقيقا لتجنب بعض التجاوزات التي شهدتها فترة الازدهار السابقة. وبشكل عام، تتمتع البيئة التنظيمية بقوة أكبر من ذي قبل ولكن الدورات الاقتصادية ألقت بقوتها بشكل مفاجئ في الماضي.

*نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.