الطريق والحريق
كثير من الأنظمة والإجراءات تحتاج إلى التطوير والتحديث بما يتناسب مع معطيات العصر ومستجداته، وهذا ما نتطلع إليه من اللجنة الوزارية العليا المكلفة بالإصلاح الإداري التي شكلت في العام 1420هـ، ووضعت لها خطط تنفيذية شاملة لدراسة وضع الجهاز الحكومي من منظور شامل يركز على جوانب التنظيم، والأنظمة الوظيفية والمالية، والوظائف والموظفين، وذلك للارتقاء بمستوى فاعلية هذه الجوانب لتحقيق أداء متميز للجهاز الحكومي.
وكان معهد الإدارة العامة، ولا يزال، هو العمود الفقري لتنفيذ الدراسات ومختصا في التنمية الإدارية، ويجب أن يتحرك قدما نحو إكمال تلك المنظومة الملحة دون توقف.
الثغرات كثيرة في بعض الأنظمة واللوائح المفسرة لها، وهناك أحداث استدعت الحاجة للتعديلات في مواد محددة وأحيانا في أنظمة كاملة، وهذا ما يناقش في مجلس الشورى، ولكن من خلال ما يرفع له من الوزارات المختصة.
وهناك قصة شجرة، هي التي دفعتني لهذه المقدمة، مرتبطة بحادثة هي واحدة من ضمن مواقف كثيرة حول بعض الثغرات في الأنظمة قد تدفع المواطن للتحايل عليها للحصول على حقوقه التي يكفلها النظام ويعجز عن تحصيلها بفعل النظام نفسه في الوقت ذاته.
بدأت القصة بمدير مدرسة اعتاد كل صباح الوقوف في الشارع المجاور للمدرسة، وتحديدا تحت شجرة تقي سيارته من حرارة الشمس، ولم يدر بخلده أنها ستكون السبب في إتلاف مركبته.
فعند الانصراف شاهد الشجرة وقد حطت بأفرعها على سيارته وأحدثت بها أضرارا بالغة، وأذهله المشهد أثناء مغادرته لفناء المدرسة، وحاول الاتصال بالدفاع المدني لرفع الشجرة عن سيارته، لكنه اعتذر عن خدمته وأحال الأمر لأمانة جدة؛ بحكم اختصاصها في التشجير، وامتثل لذلك، واتصل بعمليات الأمانة، ليصدم بالرد «لسنا أصحاب الاختصاص، عليك الاتصال بإدارة التعليم، الشجرة لا تبعد إلا أمتارا بسيطة وهي ضمن حرم المدرسة».
اضطر للاتصال بإدارة التعليم، وظل يتنقل من تحويلة إلى أخرى حتى جاء الرد «لسنا معنيين بالأشجار، اتصل بالمرور»، واعتقد بالفعل أنها الجهة المعنية بحوادث سقوط الأشجار، وعلى الفور أبلغ عمليات المرور بالحادث، فكان الرد «هل هناك إصابات؟، بالتأكيد لا يوجد.. السيارة متوقفة، هل هناك طرف آخر في الحادث؟، بالتأكيد لا.. السيارة متوقفة، إذا نعتذر عن خدمتك».
جلس مدير المدرسة حائرا على الرصيف يضرب أخماسا بأسداس، يبحث عن حل للكارثة التي حلت به، وأتت على سيارته التي لم يمض على شرائها سوى بضعة أشهر، تذكر أحد معارفه في الدفاع المدني واتصل به مستغيثا، وسرعان ما تجاوب معه ومرر معاناته إلى المسؤول ووعده خيرا.
وصلت فرقة الدفاع المدني ورفعت الشجرة عن سيارته، وتعاطف معه الجميع والتف حوله الفضوليون، وطلب محضرا بالواقعة لتقديمه لشركة التأمين وبالفعل زود بالمحضر.
في اليوم التالي، توجه صاحبنا لشركة التأمين، وبمجرد معاينة المحضر رفضوا إصلاح السيارة؛ بحجة أن المحضر مدون بعاليه «محضر حريق»، وفي تفاصيله سقوط شجرة على مركبة، حاول معهم وباءت كل محاولاته بالفشل.
عاد للدفاع المدني لتغيير المحضر، لكنهم رفضوا لعدم وجود نماذج من هذا النوع، مكتفين بما قدموه له، ما حدا به إلى تحويل حرف واحد بيده في المحضر ليصبح من «محضر حريق» إلى «محضر طريق»، واتجه به لشركة التأمين التي قبلت طلبه وأدخلت سيارته إلى الصيانة لإصلاحها من التلفيات التي لحقت بها.
هذه واقعة من ضمن وقائع تحدث يضطر المواطن التحايل فيها للحصول على حقه، ومثلما أشرت في البداية، هناك لوائح وأنظمة وإجراءات تحتاج إلى اجتثاث وتعديل يتناسب مع المتغيرات التي تستجد، ونستغرب لماذا لا تكون المبادرة من الأجهزة المختصة ذاتها، كونها تواجه يوميا ملاحظات المراجعين، وكان الأحرى أن تكون سباقة في هذا الجانب لا أن تتحرك بعد تفاقم مشكلة بعينها.
*نقلا عن عكاظ