الطاقة الشمسية في بلادنا "مكانك سر"

عثمان الخويطر
عثمان الخويطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

هل تذكرون ذلك المشروع الرائد في قرية العيينة، الذي كان قد أُنشئ قبل أكثر من 30 عاما كمحطة تجارب من أجل توليد الطاقة الشمسية؟ وهل تعلمون أنه لم يبرح مكانه منذ ذلك الوقت، مع أنه كاد أن يضعنا في المقدمة؟ ليس إهمالا من القائمين عليه، ولكنه تبديل للأولويات. وقد كانت آنذاك فكرة رائعة ومتقدمة أن نسبق معظم دول العالم، المتقدِّم منها والمتأخر، في إنشاء مرافق توليد الطاقة الشمسية. وذلك على الرغم من أننا كنا آنذاك نُعدُّ، ولا نزال، في مصاف الدول الغنية بالنفط. ولكنها الإرادة والتخطيط بعيد المدى الذي كنا نحلم به ونحاول تنفيذه كجزء من برنامج صناعة الطاقة المتجددة.

وتمر السنون والأعوام ونحن لم نبرح مكاننا، ما عدا مشاريع صغيرة هنا وهناك محدودة الحجم. فقد أنشأنا مرافق لتوليد الطاقة الشمسية في جزيرة فرسان وفي معمل التحلية في الخفجي "تحت الإنشاء"، وفي "أرامكو" ولا شيء غير ذلك يستحق الذكر. وكان بإمكاننا بناء شبكة واسعة من محطات توليد التيار الكهربائي بواسطة الطاقة الشمسية تُعادل عشرات الأضعاف لتلك المرافق الصغيرة. ولكننا لم نفعل لأسباب أقل ما يُقال عنها إنها اختلاف في الرؤية. فنحن الآن نرفل بنعمة الإنتاج النفطي المسرف ونحسب أن ذلك سيدوم لنا ولا حاجة لنا بمصادر الطاقة المتجددة خلال المستقبل المنظور. وهي نظرة خاطئة وسنندم، يوم لا ينفع الندم، على تأخرنا في الولوج إلى ساحة صناعة الطاقة الشمسية، أو طاقة المستقبل.

والغريب في الأمر أننا لم نتحير في قراراتنا الاستراتيجية بسبب شح في الموارد المالية، بل هو العكس تماما. فلدينا فوائض مالية كبيرة معرضة لنوائب الدهر التي من الممكن أن تأتي عليها أو على بعضها ونحن لا نزال نتحدث عن أفضل طريقة لاستثمارها. هذه الفوائض الضخمة كانت نتيجة لإسرافنا الكبير في إنتاج ثروتنا النفطية وعدم مقدرتنا على تنويع دخلنا القومي. وبقاؤها تحت الأرض أكثر أمانا وأكبر مردود على المدى البعيد. أما وقد انتهى بها الأمر بين أيدينا، فلا أفضل من أن نستثمرها في مشاريع الطاقة الشمسية، من تصنيع متكامل لموادها الأولية إلى إنشاء مرافق توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه.

كل ذلك بواسطة الأيدي الوطنية التي من الممكن تدريبها وتأهيلها تأهيلاً كاملاً في غضون وقت قصير، إذا توافرت العزيمة والإدارة الحكيمة المخلصة. ولكننا نخشى أن المسؤولين عن إدارة الفوائض المالية وعن التخطيط لمشاريع المستقبل الاستراتيجية قد لا يدركون مدى حاجتنا اليوم لبدائل تكون مصدرا للدخل قبل أن ينتهي عهد الفوائض وندخل في معمعة العجز المزمن في الميزانية العامة للدولة، وهذا أمر لا مناص من حدوثه بسبب اعتمادنا الكلي والمسرف على مصدر واحد وناضب في الوقت نفسه. وحينئذ سنجد أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن نقتطع من دخلنا الشحيح ونعود إلى حياة التقشف من أجل توفير رأس المال للمشاريع التنموية التي ستدر علينا دخلاً متواضعا أو نكمل الاعتماد على ما يتبقى لنا من الثروة النفطية ونجابه مصيرنا المجهول.

ونسمع لكثير من المتحدثين ونقرأ لعدد من الكتاب وهم يصفون مشاريع توليد الطاقة الشمسية بشيء من السلبية، ويعزون ذلك إلى ارتفاع تكلفتها. ونكاد نجزم أن معظمهم قد لا يكونون من المتابعين لمتغيرات الظروف التي تحيط بمستقبل صناعة الطاقة الشمسية. فمنذ أكثر من 30 عاما وأسعار الطاقة الشمسية تنخفض سنويّا حتى يومنا هذا. وقد وصلت الآن إلى مستوى منافس لأكثر مصادر الطاقة المعروفة، بما فيها المشتقات النفطية. ويتوقع المتابعون أن يستمر انخفاض التكلفة إلى مستويات أكثر جاذبية. وهذا من توفيق الله، حيث من المؤكد أن العالم أجمع سيتحول في المستقبل القريب إلى هذا المصدر المستديم.

وصحيح أن الطاقة الشمسية التي لا تتوافر إلا خلال شروق الشمس، أو ما يقارب ثلث اليوم والليلة، لا تقارَن مع المصادر النفطية التي لا ينقطع إمدادها. ولكن هذه الحقيقة تغفل أمورا كثيرة. منها أن من مميزات الطاقة الشمسية تغطيتها لأوقات الذروة. والمختصون في شؤون توليد الطاقة الكهربائية يدركون أهمية ذلك، لأنها توفر إنشاء مرافق توليد جديدة مكلفة، فقط من أجل استخدامها في أوقات الذروة. وهناك بحوث وتجارب علمية متقدمة لإيجاد طريقة عملية لخزن الفائض من الطاقة الشمسية واستخدامها في الأوقات التي لا تسطع فيها الشمس. وصحراؤنا من أفضل الأماكن في العالم لتوليد الطاقة الشمسية.

وبصرف النظر عن كل ما ذُكِر أعلاه وما قيل وما يقال عن اقتصاديات صناعة الطاقة الشمسية، فإن العالم، الذي يملك النفط منهم والذي يستورده، لا محالة سيجدون أنفسهم بعد عصر النفط الزاهر مضطرين إلى التحول إلى الطاقة الشمسية المستدامة لتمدهم بمعظم متطلباتهم الطاقوية. وهذا أمر طبيعي، فهي الوحيدة التي هي مِنحة من الله لا تباع ولا تشترى وفي متناول الجميع. وستستحق حينئذٍ عن جدارة تسميتها "بعصر أو ثورة الطاقة الشمسية". وعدم الاهتمام بالطاقة الشمسية اليوم لا يقلل من أهميتها، فقد عاشت البشرية على خيراتها ومنافعها المباشرة وغير المباشرة. والمواد النفطية من فضائلها غير المباشرة.

والآن هناك حراك غير طبيعي في كثير من المواقع في العالم نحو إنشاء مشاريع كبيرة لتوليد الطاقة الشمسية سيبدأ تنفيذها خلال هذه السنة. فقد ذكر بنك دويتشه للاستثمار أنهم يتوقعون إنشاء ما لا يقل عن 46 جيجا وات من مصادر الطاقة الشمسية في عدة دول خلال عام 2014، منها الولايات المتحدة والصين واليابان ودول أخرى. وإضافة 56 جيجا وات خلال عام 2015، مع استمرار انخفاض أسعار توليد الطاقة الشمسية، وهو عكس مصادر الطاقة الأخرى التي لا تزال ترتفع مع مرور الوقت. وفي تقرير لوكالة أنباء بلومبرج الاقتصادية أن أسعار توليد الطاقة الشمسية في أستراليا تراجعت منذ عام 2011 بنسبة 29 في المائة. والسؤال، أين موقعنا من خريطة العالم فيما يتعلق بمشاريع الطاقة الشمسية؟

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.