ساعات الدوام وإعادة هيكلة سوق العمل

عبد العزيز الغدير
عبد العزيز الغدير
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

كثير ممن أعرف من الذين يعملون في شركات التدقيق المحاسبي الكبرى يعانون طول ساعات العمل التي تمتد لأكثر من 12 ساعة لإنجاز الأعمال اليومية التي توكل إليهم دون حساب لساعات العمل الإضافية وفق نظام وزارة العمل المعتمد، وعند سؤال أحدهم لماذا لا تطالبون بحقوقكم بالوقت الإضافي؟ قال إنهم لا يكلفوننا بالعمل لساعات إضافية ليحسبوها لنا، إنما يكلفوننا بأعمال يومية لا يمكن إنجازها في ساعات العمل الثماني المقررة وفق النظام، وبالتالي من لا ينجز عمله اليوم سيجده غداً مضافاً للأعمال الجديدة، لذلك نستمر في العمل لساعات إضافية طويلة دون أي مقابل.

ما يحصل في بعض أو كل شركات التدقيق المحاسبي الكبرى يحدث أيضاً في شركات أخرى كثيرة بطرق تحايل مشابهة عبر تكليف الموظف بأعمال يومية لا تكفي ساعات العمل لإنجازها وعليه أن يثبت نفسه بإنجازها وإلا سيتم فصله أو عدم ترقيته بدعوى أنه موظف لا يصلح وسماته الشخصية غير مناسبة، ذلك أنه لا يقبل بالعمل تحت الضغط لتغطية الهدف الحقيقي، وهو عدم منح الموظف مستحقاته المالية للعمل لساعات إضافية رغم ما يحققه من عوائد كبيرة لمصلحة الشركة تفوق بكثير حقوقه المالية لعمله الإضافي، وبالتالي تجد الموظفين، سعوديين أو وافدين، الذين يعملون أوقاتاً إضافية طويلة لا يطالبون بحقوقهم المالية ولا يشتكون أوضاعهم لوزارة العمل لتتخذ الإجراءات المناسبة لمعالجة هذه الأوضاع.

ساعات العمل الطويلة بشكل مستمر وغير استثنائي ودون مقابل لها آثار سلبية كبيرة، إضافة إلى كونها مخالفة لنظام العمل والعمال، ومن ذلك أن الكثير من الموظفين السعوديين إما يستمرون في البحث عن وظيفة حكومية للتخلص من هذا الواقع غير المنصف أو أنهم يعيشون في حالة عدم اتزان اجتماعي وصحي، حيث تعاني أسرهم غيابهم الطويل وعودتهم وهم منهكون غير قادرين على القيام بواجباتهم تجاه أسرهم وتجاه أنفسهم، حيث يعانون الإرهاق وما يترتب عليه من إجهاد وآثار صحية سلبية.

أذكر أن من أهم عناصر عدم قدرة العمالة السعودية على منافسة العمالة الوافدة وقت العمل، أن العمالة الوافدة تستطيع العمل لساعات طويلة لندرة التزاماتها الاجتماعية بخلاف الموظف السعودي المرتبط اجتماعيا بأسرته الصغيرة وأسرته النووية الكبيرة، وأذكر أن وزارة العمل ومجلس الشورى ناقشا ذلك واقترحا الحلول، لكن، كما يبدو لي، استطاع الكثير من الشركات التحايل على هذا العنصر بذكاء ودهاء يظنون أنه لمصلحتهم رغم أن الأمر ليس كذلك على المستويات كافة.

يقول لي أحد من يعمل في الشركات المتحايلة على نظام العمل والعمال فيما يختص بالوقت الإضافي إنه يخطط للخروج منها والبحث عن وظيفة أخرى وإنه يتحملهم مؤقتاً ليكتسب الخبرة، ويؤكد أن معدل دوران الموظفين السعوديين في هذه الشركات عال جداً لهذا السبب، ومن جهتي أستغرب رغبة هذه الشركات في عدم المحافظة على موظفيهم الذين يكتسبون الخبرات عبر سنوات العمل لديهم بسبب عدم إنصافها لهم من جهة وقت العمل وتكاليف وقت العمل الإضافي.

أعرف من خلال خبرتي واحتكاكي بكثير من القيادات في القطاعين الحكومي والخاص أنهم بحكم موقعهم يعملون لساعات طويلة لتسيير أعمال المنشآت التي يقودونها، ولا أعلم المكاسب التي يحققونها من وراء ذلك من بدلات ونسب في المبيعات أو الأرباح أو ما يسمى "البونص"، لكن بكل تأكيد يحصلون على حقوقهم كاملة غير منقوصة، وأستغرب لماذا لا يطالبون للموظفين الصغار بحقوقهم في الأوقات الإضافية كما يطلبون لأنفسهم ويغضبون إذا تأخرت ويتركون العمل وينتقلون إلى أعمال أخرى إذا لم تُصرف لهم.

بكل تأكيد هناك الدوافع الداخلية القائمة على القيم والمفاهيم والمعارف، حيث يحرص بعض المسؤولين على تحقيق العدالة والإنصاف مع موظفيهم كما يحرصون على رضا الموظف لينتج ويبتكر ويبدع ويستمر في العمل والعطاء ولا يفكر في الانتقال لوظيفة أخرى، لكن بكل تأكيد هذا لا يكفي وحده، فهناك الكثير من المسؤولين في القطاع الخاص من لا يؤمن ولا يعمل بذلك، وبالتالي يحتاج الأمر إلى تدخل قوة النظام وقوة قدرته على الرصد والضبط والتنفيذ، وهنا يأتي دور وزارة العمل وأجهزتها المعنية، وذلك في إطار ما تقوم به من جهود كبيرة لإعادة هيكلة سوق العمل.

وحيث إن وزارة العمل من الوزارات المميزة بالتحول للعمل الإلكتروني، أعتقد أنه بإمكانها أن تضع قالب متابعة إلكترونيا يُمكن الموظفين كافة من مواطنين ووافدين من التبليغ على أي تجاوز لنظام سوق العمل، خصوصاً من جهة حرمانهم من حقوقهم في مكافآت العمل لساعات إضافية بطريقة مباشرة أو متذاكية، والتبليغ أيضاً عن أي تجاوز لحقوقهم بألا يكون العمل الإضافي دائما ومستمرا لغاية التوفير في أعداد الموظفين، وبالتالي تقليل فرص العمل المتاحة للقوة العاملة السعودية، وبكل تأكيد مثل هذا القالب سيمكن الموظفين من الشكوى دون الخوف من الضرر الشخصي الذي قد يلحق بهم، كما يُمكّن الوزارة من ضبط السوق والحد من أثر مثل هذه التجاوزات في توطين الوظائف والحد من نسب البطالة وآثارها.

ختاماً أتطلع إلى أن تراعي الشركات التي تتذاكى على موظفيها لهضم حقوقهم المالية بأوقات العمل الإضافي كما تراعي حقهم في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي والصحي في حياتهم بعدم تكليفهم بالعمل لوقت إضافي بشكل دائم ومستمر، كما أتطلع إلى أن تتعاطى وزارة العمل مع هذه القضية بجدية وفاعلية لمعالجتها من جذورها.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.