تأمين النياق

عبد الله الحارثي
عبد الله الحارثي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الفرق بين الجمل والحمار كبير جدا، رغم أن كليهما «صابر»، فالأول سفينة الصحراء والشهادة فيه مجروحة، فهو صاحب بعد نظر وخبرة ثاقبة في اغتيال الأبرياء على الطرق السريعة، لكن الأخير مسكين وحمال أسية، ولا يشفع له إلا ظهره، ولا يشهد له أحد في هذا الزمان إلا مهربو المخدرات عبر الحدود، ومع ذلك فهو يعاني من قصر النظر.
المقارنة غير عادلة ومجحفة بين الاثنين، إذ أن الحمار يتفوق على الجمل رغم الفرق الشاسع بينهما، لكن التفوق مقتصر على تخطي الطرقات، وبالذات السريعة التي تكثر فيها حوادث الحيوانات السائبة، وهذا ما يدفعني لوضع المقارنة غير المنطقية بينهما، فالجمل لديه بعد نظر في رؤية الأشياء البعيدة ولا يرى ما تحت أقدامه والسبب رقبته الطويلة، وأذنيه الغزيرة الشعر تتسبب له في الحوادث التي يتعرض لها وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى، أما الحمار المغلوب على أمره، فلديه قصر نظر ويتمكن من رؤية كل شيء حوله ولا يتجاوز الطريق إلا بعد خلوه من المركبات، ويتميز بحاسة السمع الدقيقة والصوت العالي، لذلك حوادثه قليلة.
كلاهما يسيران في نفس الطرقات، والفارق كبير ولا يوجد لديهما حساسات للتنبه من المركبات التي تسلك الطرق ليلا ونهارا، والأمر لا يحتاج إلى فحص طبي أو عيادة عيون للتأكد من طول أو قصر النظر لديهما، بيد أن سمعتهما تسبقهما وبالذات في حوادث المرور.
قبل أيام خرج سعيد المري كعادته في وضح النهار صوب المرعى على طريق وادي العجمان، وترك إبله تقتات من العشب، ليفاجأ بسيارة تصطدم بناقته التي سقطت على الأرض وتعرضت لكسر في يدها اليمنى، ونجا قائد المركبة من الحادث بأعجوبة.
حزن سعيد للحادث الذي تعرضت له البكرة التي يعتبرها من خيار إبله، إذ يقول عنها: ناقتي لها قيمة عندي وعند أهل الإبل. وفي الأثناء، استعد قائد المركبة لدفع التعويض اللائق بالبكرة حسب تثمين أهل الإبل، وتم تخطيط الحادث من قبل دورية المرور التي باشرت الموقع.
أحيل سعيد وقائد المركبة لمرور النعيرية لاستكمال الإجراءات، لكن الطرف الأول في الحادث (الناقة) لم تحضر معهما لإصابتها الشديدة، وسئل قائد المركبة عن الحادث، فأبلغهم أن الناقة صدمت سيارته من الجانب وليس من الوجه، وهذا ما تطابق مع كروكي رجل المرور الذي باشر الحادث، ما أدى إلى إقرار المرور بخطأ الناقة بأنها صدمت المركبة، وتم تحميل نسبة 75 في المائة من الخطأ عليها و25 في المائة على قائد المركبة.
تضجر سعيد من المصيبة التي حلت على رأسه (كسر البكرة وإصلاح سيارة)، لكن المرور أراد إقناعه بواقع حوادث النياق، وبينوا له مواد النظام التي تحمل قائد المركبة الخطأ في حالة وقوع الحادث نهارا، فيما تتحملها السائبة في حالة وقوع الحادث ليلا.
غادر صاحب الناقة الذي لم يكن في ذلك اليوم له من اسمه نصيب، مقتنعا بما أسفرت عنه نتائج التحقيق ليعود لناقته لعلاجها بعد تحمله نسبة 75 في المائة من الخطأ.
هذا الحادث ذكرنا بثغرة في نظام المرور، تمثلت في تحميل الدية لصاحب المركبة الذي يوقف سيارته بجوار عمارة سكنية، ولو سقط عليها شخص وتوفي، يحمل صاحب المركبة الدية الكاملة، وحمدت الله أن هذا الإجراء قد تم إلغاؤه قبل سنوات مضت.
كلنا نتعاطف مع سعيد في الحادثة الذي تعرضت لها ناقته البكرة، ولو حرص على تأمين الناقة ضد حوادث الغير لتجنب تكاليف إصلاح المركبة وعلاج الناقة التي لا تخضع لتأمين الحوادث ولا للتأمين الطبي.

*نقلا عن عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.