.
.
.
.

هل أزمة الإسكان أكبر منا؟

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

هل صحيح أن وزارة الإسكان استنفدت كل طاقتها حتى الآن، لتقف عاجزة أمام حل أزمة الإسكان في بلادنا؟ هل اكتشفَ مجلس الشورى للتو المفاجأة، حينما أعلن أحد أعضائه عن أن "لديه إحصاءات موثوق بها تقول إن 73 في المائة من السعوديين لا يملكون مسكناً، وإنّ نحو 30 في المائة يقطنون في مساكن غير لائقة"؟ وكيف نوفق بين هذه النسب المفجعة، وبين ما سبق أن صرّح به وزير الاقتصاد والتخطيط قبل أقل من عام، حينما ذكر أن نسبة تملّك المواطنين لمساكنهم تصل إلى 61 في المائة؟ أليس ملفتاً هذا التضارب الكبير بين تصريح تلك الإحصاءات؟ ألا يؤكد ذلك خطورة ما سبق الحديث عنه في أكثر من مقامٍ، حول التضارب المستمر في المؤشرات الاقتصادية لدينا، كتبت عنه هنا في "الاقتصادية" عدد 7415 قبل أقل من شهرٍ "مخاطر التأخير والتضليل في نشر البيانات الاقتصادية"؟ أليستْ هذه أزمةٌ أخرى، أنْ تفتقر الأجهزة المعنيّة إلى الإحصاءات الدقيقة اللازمة لأداء مهامها ومسؤولياتها؟ وكيف لها أن تنجح في ذلك وهي على هذا الحال المجهول المعالم؟ أخيراً وليس آخراً؛ من يا تُرى يدفع ثمن هذا كلّه غير المواطن وأسرته؟

غريب وقوفنا على هذا النحو من العجز! يأتي مصدْر هذا الاستغراب من عدة اعتبارات؛ أولها: تمتّع اقتصادنا بالموارد المالية الهائلة، التي يمكن بالاعتماد عليها إطفاء فتيل كل تلك التحديات التي نواجهها. ثانيها: الانخفاض النسبي في عدد السكان لدينا مقارنةً بمساحات المدن والأراضي الشاسعة الصالحة للتطوير والتشييد. هل من تفسير مقنع لهذه الحالة من الشلل تجاه ما ليس في أصله بأزمة، ولا يمكن أنْ يكون أزمة إلا لسبب أو لآخر! وإذا كان هناك سبب أو عائق خارج الاعتبارين المذكورين أعلاه، فما هذا السبب؟ ولماذا يتم تجاهله؟ خاصةً إذا ثبتَ أنّه هو الأزمة الحقيقية، وبناءً عليه فإنّ الحل الحقيقي يبدأ من مواجهته لا بالقفز من فوقه والتغاضي عنه.

بدايةً، لنستقرئ معاً بعض المؤشرات المرتبطة بقضيّة الإسكان ممثلة في تطوّر ونمو كل من الوحدات السكنيّة وإجمالي السكان خلال عقد مضى 2003-2013 "انْظر الرسم البياني". وفقاً لإحصاءات الشركة السعودية للكهرباء، بلغ متوسط النمو السنوي للوحدات السكنيّة خلال الفترة نحو 5.1 في المائة، مقابل متوسط نمو سنوي للسكان للفترة نفسها لم يتجاوز 3.1 في المائة، وفْقاً لبيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات. حيث تقدّر الزيادة الإجمالية للوحدات السكنيّة خلال الفترة بأكثر من 2.4 مليون وحدة سكنيّة، ليبلغ عددها بنهاية 2013 أكثر من 5.7 مليون وحدة سكنيّة! بينما تُقدّر الزيادة الإجمالية لعدد الأُسر خلال الفترة نفسها بنحو 1.66 مليون أسرة، ليصل إجمالي الأسر بنهاية 2013 إلى نحو 5.5 مليون أسرة، ما يشير إلى تشكّل صافي فائض في عدد الوحدات السكنيّة بنهاية الفترة يُقدّر بأكثر من 204 آلاف وحدة سكنية! ومن الملفتْ في بيانات الوحدات السكنيّة خلال العامين الأخيرين أنها سجّلتْ زيادة فاقت 318 ألف وحدة سكنية وأكثر من 400 ألف وحدة سكنية، خلال عامي 2012 و2013 على التوالي. ماذا تعني تلك الأرقام؟

إنها تعني في الحقيقة عدم وجود أية مشكلة أو أزمة في بناء الوحدات السكنيّة، وكما توضح تلك البيانات الفعلية للزيادات السنوية، أنّها تفوق حتى ما يطالب به مجلس الشورى من وزارة الإسكان بضرورة ضخ أكثر من 198 ألف وحدة سكنيّة سنوياً! إذاً أين المشكلة؟ المشكلة أو "السبب" يكمنُ فيمن يمتلك تلك الوحدات السكنيّة، ومن ثم يقوم بعرضها إمّا للبيع أو للإيجار! وهذا ما يُفسّر ارتفاع نسبة الأسر المستأجر أربابها للسكن، وأنّ من يمتلك تلك الأراضي ليس إلا شريحةً ضيّقة من السكان، القليل جداً منها يمتلك المساحات الشاسعة منها كأفضّل مخزّن لقيمة الثروة، ومُنمياً في الوقت نفسه لقيمتها دون أدنى تكلفة، فيما تتوزّع ملكيّة بقية الأراضي على ما تبقّى من تلك الشريحة الضيّقة، سواءً كانوا أفراداً أو مجموعاتٍ تركّزتْ أنشطتها على المتاجرة والمضاربة. فيما تزيد تلك الشريحة بالنسبة إلى ملكيّة الوحدات السكنية بما لا يزيد على رُبع عدد المواطنين! وهو أيضاً ما يُفسّر الارتفاع الكبير والمستمر في أسعار الأراضي ومن ثم المساكن، ما يُعبّر في نهايته عن سيطرة طابع "الاحتكار" واتساع نفوذه، في الوقت نفسه الذي لم يجد ما يردعه أو حتى يكبح جماحه، سواءً عبر أدواتٍ مباشرة كفرْض الرسوم والزكاة، أو عبر أدواتٍ غير مباشرة بإيجاد فرصٍ محليّة للاستثمار ذات جدوى جاذبة، ووفق إجراءاتٍ ميسّرة خالية من التعقيدات البيروقراطية.

الداء هو الاحتكار، وتركّز ملكيّة الأراضي ومن ثم المساكن في يدِ شريحةٍ ضيقة من الملاك! والدواء معلومٌ لدى مجلس الشورى وبقية الأجهزة المعنيّة؛ (1) فرْض الزكاة على الأوعية العقارية المدرّة للعوائد. (2) فرْض الرسوم على الأراضي المحاطة بالخدمات، والممتنع ملاكها عن تطويرها لأي سببٍ كان. (3) تطوير وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، كي لا تُربك الأموال الخارجة من السوق العقارية اقتصادنا المحلي، أو تهرب إلى خارج الحدود. الآن؛ هل الداء أكبرُ من قدرتنا على معالجته بالدواء، أمْ ماذا؟!

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.