.
.
.
.

دافعو الرسوم والفواتير

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

يستخدم في كثير من الدول مصطلح «أموال دافعي الضرائب» باعتبارها أهم مصادر دخل الحكومات التي تنفق منها على البلد ومواطنيه وساكنيه، وتجد في مناقشاتهم تمحيصاً لإنفاق هذه الأموال، فيقول المسؤول في الشرطة مثلاً: «لا يمكنني إنفاق أموال دافعي الضرائب» على كذا عند الإشارة إلى تحديد مهماته، وإيضاح مصدر تمويلها.

ولأننا لا ندفع الضرائب على الدخل، فيمكنني تسمية بعض أموال الحكومة بأموال دافعي الرسوم، حتى لو اعتبرتها بعض الجهات رمزية، والمناسبة هي ما أعتقد أنه تبديد لأموالنا جميعاً حكومة وشعباً في نقل طائرة «جامبو» خارج الخدمة من المدينة المنورة إلى أبها لإقامة مشروع خاص هو عبارة عن مطعم!

جميل أن تكون هناك أفكار سياحية مبتكرة، على رغم أني شخصياً أعتبرها فكرة مكررة، لكن صاحبها حرٌّ في مشروعه الذي نقرأ كل يوم أن نقل الطائرة الخاصة به يقطع الكهرباء عن المدن التي يمر بها، وهنا أضيف أموال دافعي الفواتير لشركة الكهرباء، الشركة المساهمة التي تمتلك الحكومة فيها نسبة كبيرة.

تقطع الكهرباء ساعات ربما تفسد طعام وأدوية الكثيرين، وأجهزة طبية تتوقف، وحياة الآلاف تتوقف حتى تعبر الطائرة، هل هذا منطقي؟ هل هذا عادل ومنصف؟

دوريات المرور والشرطة والدفاع المدني، وفرق صيانة الطرق، تستنفر عند مدخل كل مدينة كما نقرأ يومياً في الصحف، أي أننا ننفق من الخزانة العامة ملايين الريالات لمصلحة صاحب هذا المشروع، فهل يتسق هذا مع الاقتصاد الحر، ومبادئ الرأسمالية؟ ومن قبل ومن بعد هل يتسق هذا مع ثقافتنا التي لا تؤثر ذوي الشأن على حساب عامة الناس؟

كان بإمكان المستثمر والخطوط السعودية إيجاد بديل آخر، جوي أو بحري، وحساب كلفته على المشروع طالما أنه مشروع خاص، بدلاً من تحميل الشعب فاتورة استعراض كفت صاحبها مؤونة حتى التسويق لمشروعه الذي يتم يومياً ومجاناً على حساب الحكومة، والصحف التي غطت الرحلة الميمونة لهيكل الطائرة مجزأً على شاحنات عدة.

كان بالإمكان أيضاً تنفيذ المشروع بهياكل معدنية مطابقة للطائرة، لتحقيق الفكرة نفسها، وشراء الديكور الداخلي لها من طائرة خارج الخدمة.

لا نستطيع السؤال عن قيمة الصفقة لأن الخطوط السعودية ليست شركة مساهمة عامة، لكننا نستطيع أن نسأل كم كلفنا نقل هذه الطائرة بحساب ساعات انقطاع الكهرباء، وساعات عمل مئات موظفي المرور والشرطة والدفاع المدني والنقل؟ وماذا سيقدم صاحب المشروع في المقابل للناس؟

أبها البهية جارة السحاب غالية علينا، وستسرنا جميعاً أية إضافة سياحية تسهم في بناء اقتصادها، وازدهار معيشة ساكنيها، لكن هذه الممارسة إذا أخضعناها للشفافية والثقافة الصحيحة للنزاهة وحفظ المال العام ينبغي أن توضع تحت مجهر مخلص يقول بهدوء إننا أخطأنا، وإننا أحياناً - وإن بحسن نية - ندعم من لا يحتاج إلى الدعم.

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.