.
.
.
.

مصرف لبنان وتشجيع اقتصاد المعرفة

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

أصدر مصرف لبنان في 22 آب (أغسطس) 2013، التعميم رقم 331 إلى المصارف والمؤسسات المالية للاستفادة من التسهيلات التي يقدمها لهم من دون فائدة لفترة أقصاها سبع سنوات (قابلة للتمديد في حالات خاصة) للمساهمة، على مسؤوليتهم الكاملة، في رأس مال الشركات المبتدئة والحاضنات (incubators) ومسرّعات أداء الأعمال (accelerators)، بهدف دعم اقتصاد المعرفة في لبنان وتطويره واللحاق بالثورة الرقمية في العالم.

جاء التعميم معدلاً للقرار الأساسي رقم 6116 والصادر في 7 آذار (مارس) 1996 والخاص بالتسهيلات التي يمكن أن يمنحها مصرف لبنان إلى المصارف والمؤسسات المالية لتمويل فئات مختلفة من القروض. وألغى التعميم الجديد (رقم 331) الجدول 1N13 الملحق بالقرار الأساسي 6116 والذي يحدد فئات القروض التي تستطيع المصارف دعمها، والحد الأعلى للتسهيلات التي يقدمها مصرف لبنان لكل فئة وأسعار الفائدة التفضيلية عليها. ويحدد الجدول 21 فئة من القروض، تشمل القروض الممنوحة للقطاعات الإنتاجية وتلك المخصصة لأغراض البحث والتطوير في القطاعات الإنتاجية، والقروض المتعلقة بمشاريع الطاقة الصديقة للبيئة، وأخرى ممنوحة من قبل البنك الدولي لتمويل المشاريع المخفضة لمستوى التلوث، إضافة إلى فئات عدة من القروض السكنية الممنوحة لمجموعات محددة من المواطنين، وأخرى لإكمال الدراسات العليا، وقروض لتمويل شراء أنظمة الطاقة الشمسية في المناطق الريفية بسعر الكلفة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان، والقروض إلى المنظمين لأجل تطوير مشاريع جديدة في حقل المعرفة والإبداع، والقروض الصغيرة الممنوحة بالليرة اللبنانية. وأعلن المصرف أخيراً أنه ينوي تقديم حوافز مالية جديدة هذه السنة لأغراض إنعاش الاقتصاد اللبناني وتوفير فرص عمل.

لا شك في أن فكرة الحوافز المالية التي تبناها مصرف لبنان وتهدف إلى تشجيع اقتصاد المعرفة، لا يمكن إلا اعتبارها خطوة إيجابية، خصوصاً أن المصرف معروف بسياسته الائتمانية العالية التشديد والتي وإن حققت الاستقرار النقدي والحفاظ على قيمة الليرة، إلا أنها أثرت سلباً في النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. فالمصرف لا يزال يحجب أكثر من 40 في المئة من ودائع القطاع الخاص لدى المصارف التجارية كودائع لديه. وهذا يعني أن أكثر من 40 في المئة من ادخارات الأفراد (خصوصاً أن غالبية ودائع القطاع الخاص هي ودائع توفير وثابتة) يتم سحبها من الإنفاق، ما يؤثر سلباً في دورة خلق الدخل من خلال المضاعف الذي يدل على أن أي زيادة في الإنفاق تؤدي إلى زيادة مضاعفة في الدخل. ولكن على رغم الاعتراف بإيجابية الخطوة هناك بعض الأسئلة التي تستحق الطرح في هذا الصدد:

1- هل قوّم مصرف لبنان تجربته السابقة والخاصة بتوفير تسهيلات ائتمانية بأسعار فائدة تفضيلية وفق التعميم رقم 6116 لعام 1996؟ وماذا كانت الآثار الإيجابية لذلك التعميم؟ خصوصاً بالنسبة لفئات القروض ذات العلاقة بالبحث والتطوير والقروض الصغيرة وقروض المعرفة والابتكار في القطاعات الإنتاجية. إن تقويم هذه التجربة أمر ضروري لمعرفة مدى استجابة القطاع الخاص للاستفادة منها وتحديد نقاط القوة والضعف فيها؛

2- لماذا ألغى مصرف لبنان الجدول 1N13 الملحق بتعميمه السابق في التعميم الجديد؟ هل لأن التجربة لم تكن ناجحة، أم لأنه لا يريد تبني مشروعين للتسهيلات الائتمانية في آن واحد؟

3- هل تمت مناقشة التعميم الجديد مع الحكومة ومع المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية في القطاع الخاص، وتحديد الدور المطلوب من كل منها، أم أنها كانت مبادرة اتخذها مصرف لبنان بمفرده؟

معروف أن التمويل عنصر جوهري في عملية النمو الاقتصادي والتنمية، ولكن تجارب الدول أظهرت أن توافر التمويل وحده لا يخلق نمواً أو تنمية فهو ضروري ولكنه غير كاف. إذ لا بد من توافر عناصر أخرى، تشتمل إضافة إلى الاستقرار السياسي والأمني، تبني السياسات الكلية المتكاملة التي تدعم انتشار استخدام اقتصاد المعرفة وربط ذلك مباشرة بالقطاعات الإنتاجية والخدمية. فاقتصاد المعرفة لا ينشأ من فراغ ولا يعطي نتائجه في فراغ. وإنما لا بد من توافر عناصر أساسية مثل مناخ الاقتصاد الكلي والهياكل القانونية والإدارية الراعية للإبداع والابتكار، والبنى التحتية ومدى استعداد القطاعين العام والخاص على ربط أنشطتهما بالإبداع والابتكارات الجديدة. فكل قطاع من القطاعات الإنتاجية والخدمية بما فيها الخدمات الحكومية، يمكن تطويره جيداً وتسريع إنتاجيته وتحسينها من خلال استخدام اقتصاد المعرفة، بشرط أن تكون لدى هذه القطاعات الرغبة والمقومات التي تمكنها من الاستفادة من الابتكارات والتحسينات التي يدخلها اقتصاد المعرفة. لذلك يعتبر تعاون قطاع الأعمال الخاص والقطاع الحكومي وتجاوبهما مع مبادرة مصرف لبنان، أمراً جوهريا لإنجاحها ولتشجيع أصحاب الإبداع والابتكار خصوصاً من الشباب على الاستفادة منها.

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.