.
.
.
.

الدول العربية تحتاج نموذجاً اقتصادياً أساسه المعرفة والابتكار

علي توفيق الصادق

نشر في: آخر تحديث:

تواجه البلدان العربية تحديات كثيرة صعبة، في مقدمها تأمين الملايين من الوظائف الجيدة. ولمواجهة هذه التحديات، عليها إتباع نموذج قائم على المعرفة والابتكار، بناء على التوجه العالمي نحو اقتصاد المعرفة. هذا ما يرمي اليه تقرير أعدّه البنك الدولي بالتعاون مع «مركز التكامل المتوسطي» و «بنك الاستثمار الأوروبي»، و «المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة» (أيسيسكو) أعلن عنه في الرباط في حزيران (يونيو) 2013. ويقدم التقرير مبررات وحججاً قوية لتبني نموذج تنمية يرتكز على المعرفة والابتكار من اجل تحقيق النمو في البلدان العربية. فالحضارة العربية، منذ ألف سنة، قادت العالم في المعرفة والتقدم والتنمية. كما أن العلوم العربية والتكنولوجيا وحرية التجارة والتسامح الديني كلها كانت مفاتيح للتنمية في البلدان العربية.

والسؤال الذي يدور في خلد الكثيرين هو: لماذا الشروع في تبني استراتيجية نمو قائمة على المعرفة والابتكار؟

معروف ان نسبة الشباب العربي الى السكان مرتفعة نسبياً، وتعاني البلدان العربية أعلى نسبة بطالة لدى الشباب في العالم. وهي تتراوح بين 20 و25 في المئة، وهي نسبة تعادل ضعف معدل البطالة الشبابية العالمية. ويتطلب استيعاب العاطلين من العمل في البلدان العربية خلق نحو 40 مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر المقبلة.

ان اقتصاد المعرفة كما عرفه البنك الدولي هو اقتصاد قادر على اكتساب المعرفة، وخلقها، ونشرها وتطبيقها بهدف تعزيز التنمية. والتحرك نحو هذا الاقتصاد ينطوي على أكثر من تطوير صناعات عالية التكنولوجيا، والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو الحصول على تكنولوجيا جديدة للاستخدام في مجالات ضيقة هامشية في الاقتصاد. فهو ينطوي على تغيير منظم في تشغيل كل الاقتصاد بحيث تخترق المعرفة، جديدها والقائم منها، والابتكار، سواء كان تطويراً او تسويقاً لمنتجات او عمليات جديدة، كل قطاعات النشاط الاقتصادي. وبذلك، تزداد الإنتاجية وتظهر سلع وخدمات جديدة.

إن التحول نحو اقتصاد المعرفة واضح في دول صغيرة مثل فنلندا وسنغافورة، ومتوسطة مثل جمهورية كوريا الجنوبية، وكبيرة مثل الصين والهند. هذه الدول تمكنت من تسخير قوة التغير التكنولوجي، والمنافسة في حلبة الاقتصاد الدولي، وتنمية مهارات السكان. وفي المقابل، فإن الدول التي تفشل في الحصول على التكنولوجيا الجديدة وتكيفها وتستخدمها للارتقاء بالقدرات المعرفية، وتعبر عن المواهب الخلاقة، محكوم عليها بالانهيار والتقهقر. ففي كل أنحاء العالم، يبحث القادة البعيدو النظر عن أفكار واستراتيجيات جديدة للتعامل مع الواقع المتغير.

لكن الواقع تغير في بعض الدول العربية بفعل ما أطلق عليه «الربيع العربي»، وتقرير البنك الدولي يقدم نموذجاً جديداً للنمو الاقتصادي العربي. والتحدي أمام البلدان العربية هو بناء نظام اقتصادي حر وعادل وشامل وخلاق وديناميكي يخلق فرص عمل جيدة للشباب الذين يبحثون عن عمل.

يتألف التقرير من ثلاثة أجزاء، يتناول أولها ثلاثة أسئلة عن نموذج التنمية المرتكز على المعرفة والابتكار هي: لماذا الانتقال إلى الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار؟ ماذا يتبع ذلك الانتقال؟ وكيف يتم الانتقال؟ ويناقش التقرير السؤال الأول في الفصل الأول الذي يتناول موضوع نشر المعرفة والابتكار لتحويل العالم العربي. ويجيب عن الثاني في الفصل الثاني الذي يتناول موضوع اللحاق بتوجهات اقتصاد المعرفة العالمي الذي يقوم على أربعة مرتكزات اساسية هي: اقتصاد جيد الأداء ونظام مؤسسي، وقوى عاملة جيدة التعليم والمهارات، ونظام ابتكار كفي، وبنية تحتية ديناميكية للمعلومات. أما السؤال الأخير فقد تمت مناقشته في الفصل الثالث الذي يستعرض تصميم استراتيجيات التنمية الجديدة للبلدان العربية.

الجزء الثاني من التقرير يستعرض اربع قضايا محورية لاقتصاد المعرفة ويناقشها في أربعة فصول هي: تحسين نظم الحوكمة وبيئة الأعمال حيث يتوقف نجاح استراتيجية اقتصاد المعرفة في أي بلد على نظامها الاقتصادي والمؤسسي. ويعزى ذلك إلى تأثير ذلك النظام في كفاءة الاستثمارات وفاعليتها، في مجالات اخرى مثل التعليم والابتكار والمعلومات. اما القضية الثانية التي يتناولها هذا الجزء من التقرير، فهي معنية بتعليم الناس بهدف الحصول على وظائف أفضل في اقتصاد جديد. وفي هذا المجال يؤكد التقرير ان البلدان العربية حققت تقدماً ضخماً في اتاحة الوصول إلى التعليم الرسمي ومحاربة الأمية وخفض الفوارق بين الجنسين، ومع ذلك، فإن الاصلاحات التعليمية في البلدان العربية لم تصل إلى الهدف المرجو حيث ما زالت العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي ضعيفة، والفجوة بين التعليم والعمل ما زالت قائمة لم تسد، وجودة التعليم مخيبة للآمال. والقضية الثالثة التي يتناولها الجزء الثاني من التقرير هي تعزيز الابتكار والارتقاء بمستوى التكنولوجيا، والقضية الرابعة والأخيرة التي يناقشها هذا الجزء هي الانتقال إلى مجتمع المعلومات.

أما الجزء الثالث والأخير من تقرير البنك الدولي، فيستعرض مبادرات تنويع الاقتصاد في فصلين. يتطرق الأول الى تشجيع قطاعات النمو اقتداء بتجارب البلدان التي اتبعت سياسات صناعية نشطة وكفية من اجل تعزيز تحولها إلى نموذج التنمية القائم على المعرفة. وفي هذا المجال، تم التأكيد على ان دور الحكومة ليس الاضطلاع بكل المهمات، ولكنه يجب أن يهتم بتهيئة الظروف الصحيحة للقطاع الخاص للقيام بدوره وهو ما يستوجب تغيير دور الحكومة إلى دور تسهيلي حافز. ويتناول الفصل الثاني من الجزء الثالث موضوع إدارة التنمية المحلية والاقليمية، ويؤكد ان الاقتصادات الحديثة تتطور بتراكم المواهب والمعرفة وروح الريادة. ويشير التقرير في هذا المجال إلى أن البلدان العربية حاولت تسهيل إنشاء المواقع الابتكارية وتنميتها من خلال اتخاذ تدابير لإنشاء مجمعات للعلوم والتكنولوجيا والمناطق الصناعية ومناطق التصدير، وكذلك المدن الجديدة.

وفي الختام، قد يكون مفيداً لمستشاري صناع القرار وواضعي السياسات في البلدان العربية، الاطلاع على هذا التقرير المهم لاستخلاص السياسات والإجراءات المناسبة لتحويل اقتصاداتهم إلى اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار إذا كانوا يبحثون عن سياسات تساعدهم في ذلك.

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.