.
.
.
.

عن المساكن الشاغرة.. ما مدى صحة استنتاجاتنا؟

سليمان بن عبد الله الرويشد

نشر في: آخر تحديث:

موجة من الاستغراب والدهشة سرت في أذهان العديد ممن اطلعوا على البيانات التي نشرتها مؤخراً مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات عن مرحلة ترقيم وحصر المباني والوحدات العقارية في المملكة وذلك نتيجة ما تضمنته من أرقام تفيد بأن إجمالي عدد الوحدات الشاغرة في كافة مناطقنا الثلاث عشرة تبلغ نحو 970 ألف وحدة سكنية، تمثل أكثر من 17% من إجمالي عدد المساكن القائمة في المملكة، الذي يتجاوز 5.6 ملايين مسكن حتى نهاية عام 2010م، متسائلين عن كيفية أن تكون لدينا أزمة سكن ولدينا هذا الرصيد الشاغر من الوحدات السكنية، منتهين بالاستنتاج على الفور بأن القضية تتمحور إذاً حول الجانب التمويلي لحصول الأسر على تلك المساكن مقارنة بالمعوقات الأخرى إن وجدت من وجهة نظرهم.

للأسف إن المتأمل في تفاصيل تلك البيانات لا يجد أساساً لهذا الاستنتاج، وذلك لعدة أسباب منها ما هو عائد للجهة التي أصدرت تلك البيانات، ومنها ما عائد للإطار التي تقرأ فيه تلك البيانات ففيما يخص مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات يظهر واضحاً عدم الدقة في حساب قيمة النسبة التي ذكرتها، والتي تمثل الوحدات السكنية الشاغرة في الوقت الحاضر، حيث تمت نسبة البيانات التي تم حصرها مؤخراًً عن عدد الوحدات السكنية الشاغرة، إلى إجمالي عدد الوحدات السكنية في تاريخ سابق لهذا الحصر بسنوات، ويعود لتعداد عام (2010م) عن المساكن في المملكة، ومن ثم الوصول إلى قيمة هي أعلى بدون أدنى شك مما عليه في الواقع، والتي أشير إلى أنها تبلغ (17%) حيث إن القيمة الفعلية تظهر حينما ينسب عدد المساكن الشاغرة إلى إجمالي عدد المساكن في الوقت الحاضر، هذا بالرغم من أن تلك النسبة قد وصلت في سنوات سابقةً بالمملكة إلى أعلى من تلك القيمة، وذلك حينما بلغت نحو (30%) في الفترة التي تلت الطفرة الأولى في التسعينات الهجرية.

أما حين النظر لتلك البيانات عن المساكن الشاغرة في المملكة وفق أطر تحليلية وليست عامة في قراءة ما تتضمنه من أرقام وإحصائيات، نجد أنه وفقاً لنوع تلك المساكن الشاغرة فإن المنازل الشعبية التي كثير منها إن لم تكن غالبيتها لا يتلاءم واقعها الحالي مع الاحتياجات الوظيفية والمعايير التصميمية للمساكن في الوقت الحاضر تمثل في الواقع أكثر من ثلث تلك المساكن الشاغرة، إضافة إلى أن البقية من المساكن الشاغرة في النوعين الآخرين من فيلات وشقق سكنية قد يكون السبب في أن بعضها كذلك، هو تهالكها وانتهاء عمرها الافتراضي والحاجة إلى إحلالها بمساكن جديدة.

كما أننا حين ننظر لتلك البيانات ضمن إطار توزيعها المكاني نجد أن غالبيتها في مناطق تصنف فيها المساكن إلى نوعين من حيث الإشغال، دائمة وموسمية، وذلك في مناطق مكة المكرمة (مساكن موسم الحج في مدينة مكة المكرمة، والاصطياف في مدينة الطائف)، وعسير(مساكن موسم الإصطياف في مدينة أبها) وهما المنطقتان اللتان تحويان أكثر من 50% من تلك المساكن الشاغرة هذا بخلاف الوحدات السكنية التي تشغل في نهاية الأسبوع وإجازات الأعياد والمدارس في القرى والمحافظات المحيطة بالمدن الكبرى وتعود في الغالب ملكيتها لأسر هجرت جزئياً موطن سكنها الأصلي جرياً وراء فرص التعليم أو العمل لأفرادها في حواضر المملكة.

يضاف إلى ذلك كله ضرورة وجود نسبة مقبولة من المساكن الشاغرة عادة ما تمثل 10% من إجمالي المساكن القائمة في أي تجمع سكاني، وذلك لتكون وحدات احتياط تخفف من حدة التضخم في أسعار المساكن، توفر عبر زيادة العرض عن الطلب وبالتالي إيجاد توازن في إسعار الحصول على الوحدات السكنية تملكاً أو استئجاراً، هذا بخلاف دور تلك الوحدات الشاغرة في توفير بدائل متعددة للعرض من مختلف أنواع الوحدات السكنية المطلوبة، مما يوحي في نهاية الأمر بأن استنتاجات الكثير منا ممن اطلع على تلك البيانات قد جانبها الصواب.

*نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.