.
.
.
.

مؤتمر الرياض .. يؤسس لاقتصاد المعرفة

أمين ساعاتي

نشر في: آخر تحديث:

في الأسبوع قبل الماضي عقد في العاصمة الرياض مؤتمر اقتصادي على جانب كبير من الأهمية، وأهمية المؤتمر تنبع من كونه يناقش قضية من أهم القضايا المطروحة، وهي تحويل المجتمع السعودي إلى مجتمع معرفي وتغيير موارد الاقتصاد إلى اقتصاد المعرفة الذي يقوم على الابتكار والحلول غير التقليدية، أي أن الاقتصاد ينتج ويوظف المعرفة لتحقيق مزيد من تراكم الثروة.

ورغم أهمية المؤتمر إلا أن الإعلام السعودي لم يحتف به كثيراً رغم أن القضية التي يتناولها من أهم القضايا الوطنية التي توليها الحكومة أهمية بالغة.

ويبدو أن المنظمين للمؤتمر، وهما وزارة الخارجية ووزارة الاقتصاد والتخطيط، لم يعولا كثيراً على دور الإعلام في عمليات التحويل إلى مجتمع المعرفة رغم أنني أرى أن الإعلام جزء أساسي في المجتمع الذي يتطلع إليه المؤتمر وهو مجتمع المعرفة.

وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الدكتور محمد الجاسر وزير الاقتصاد والتخطيط نيابة عن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية قال: إن تنظيم هذا المؤتمر يأتي استشعارا لمدى حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - على تحول المملكة إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد القائم عليها، فقد أصبح ذلك أمراً حتمياً لضمان استدامة عملية التنمية وبناء اقتصاد عصري منافس، وتعميق الاستثمار في رأس المال البشري، هذا التحول أصبح ضرورة تمليها الظروف والتطورات الدولية التي تغير فيها مفهوم المنافسة العالمية لتصبح المعرفة أساس المزايا التنافسية بين الدول.

وأوضح أن المؤشرات في تقارير التنمية العالمية تؤيد هذا التطور في المملكة، إذ يشير مؤشر اقتصاد المعرفة الصادر عن البنك الدولي إلى تحسن وضع المملكة، حيث صعدت من المرتبة 76 عام 2000 إلى المرتبة 50 عام 2012 بين 146 دولة، كذلك أوضح الأمير سعود في معرض كلمته في افتتاح المؤتمر إلى أن هذه الجهود تُوجت بالأمر السامي رقم 546 وتاريخ 2 المحرم 1433هـ الأمر بوضع استراتيجية وطنية شاملة للتحول إلى مجتمع المعرفة مدعومة ببرامج تنفيذية وزمنية محددة التكلفة.

بمعنى أن التنويع الاقتصادي أصبح مطلباً شعبياً ولم يعد وقفاً على النخبة، لأن الهدف هو بناء قاعدة إنتاج مستدامة، وكذلك إحداث زيادة كبيرة في إنتاجية الفرد ورفع العائد من الاستثمار في تنمية الموارد البشرية وتوفير عناصر دائمة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

والواقع أن اقتصاد المعرفة أصبح خياراً حتمياً للدول التي تتطلع إلى اللحاق بركب التنمية والحضارة، وبدون الوصول إلى تشكيلات مجتمع المعرفة لا تستطيع الدول أن تنهض وتلحق بركب التنمية والحضارة.

ويقوم مشروع اقتصاد المعرفة على ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في "التعليم" وأضع تحت التعليم خطاً أسود عميقاً لأنه الانطلاقة الأساسية للوصول إلى موانئ مجتمع المعرفة.

والواقع أن التعليم في السعودية في أمس الحاجة إلى إعادة هيكلة مع ضرورة التنقية واستبعاد كل ما ليس له ضرورة وما ليس بعلم، ودون استبعاد ما يجب أن يستبعد لا نستطيع أن نُرسخ المأسسة ونُشكل المؤسسات التجارية التي تستخدم التقنية وتحولها إلى مؤسسات مولدة للمال.

وإذا نظرنا إلى مجتمع المعرفة في الدول الناشئة نجد أن الثروة البشرية هي المحرك الأساس للثروة الطبيعية "وليست الثروة الطبيعية هي المحرك للثروة البشرية"، ولذلك فإن تطوير وتحديث التعليم مطلب ملح على طريق تكوين مجتمع معرفي راسخ ومتين.

أما المحور الثاني من مراحل الوصول إلى مجتمع المعرفة فإنه يتمثل في "المعلومات" وضرورة نشرها بين كل شرائح المجتمع وتحريم حجبها، وإذا كانت العدالة الاجتماعية مطلوبة لمجتمعاتنا الإسلامية، فإن العدالة في توزيع المعرفة داخل مجتمعاتنا من أهم أدوات تحقيق مجتمع المعرفة، ونؤكد أن نشر المعلومات بين المتعلمين الصادقين يؤدي بالضرورة إلى توهج الابتكار والإبداع لديهم، العلماء الذين وقعت في أيديهم المعلومات استطاعوا أن يتوصلوا إلى أهم النظريات في تاريخ البشرية، بمعنى أن كل الابتكارات في تاريخ البشرية "من الإبرة حتى الآي فون" ظهرت بعد أن توافرت المعلومات عند المتعلمين والمبدعين، ويجب أن نسلم بأن كل إنسان في الوجود لديه إمكانات الإبداع والابتكار، وكل إنسان يحتاج إلى قدر من المعلومات ليصبح مبدعاً ومبتكراً.

والمحور الثالث الذي يتأسس عليه مجتمع المعرفة هي المرحلة التي تقود إلى اقتصاد المعرفة، وهي مرحلة تطوير العلوم والمعارف وتحويلها إلى فرص تجارية حقيقية عن طريق ما يعرف في اقتصاد المعرفة بريادة الأعمال، وفى حياتنا الكثير من الناجحين الذين رادوا الأعمال وتعلموا صحيح العلوم في الجامعات، وبنوا شركات الأموال ثم اتجهوا إلى بناء المنتجعات السياحية لجني الأموال بيعاً وإيجاراً، كذلك اتجهوا إلى إنشاء المكاتب الاستشارية الهندسية وتأسيس المؤسسات الإعلامية لتحكم توجهات المجتمع المعرفي، ثم اتجه غيرهم من قوافل الخريجين إلى بناء البنوك والمستشفيات والمنتجعات الصحية، وغيرهم أسسوا مكاتب المحاماة في كل مدينة، بل وفى خارج المملكة، والمحاسبون الذين افتتحوا مكاتب المحاسبة والاستشارات القانونية ومراكز الأبحاث في كل أرجاء الدنيا، وما نريده هو أن يصبح الشعب السعودي كله من رواد الأعمال، لأن الحفنة القليلة جداً لا تكفي لتأسيس مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة.

وهكذا فإن مجتمع المعرفة يعنى باختصار وجود مستويات عليا من الموارد البشرية عالية التأهيل تتعامل وتتفاعل مع آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا المعلومات، أي أن الاقتصاد في هذه الدولة ينتج ويوظف المعرفة لتحقيق مزيد من تراكم الثروة.

إن مجتمع المعرفة هو مجتمع الثورة الرقمية الذي تحتل فيه المعلومة والمعرفة مكانة متقدمة تقترن بالمزيد من الفتوحات العلمية والإبداعية وتراكم المعرفة.

والإنسان في مجتمع المعرفة يبدو فعالاً نهماً إلى التعليم والثقافة، ومؤسسات المجتمع تسهر على زيادة الإنتاج وتفعيل آليات التفكير والتجديد والابتكار.

ويجب أن ندرك أن مجتمع المعرفة ليس المجتمع الصناعي التقليدي المعني بإنتاج السلع وتسويقها، وإنما هو المجتمع المنتج للمعرفة والناشر لها والساعي إلى توظيفها ونشرها وتوزيعها كي تتحول إلى تقنية تجارية مولدة للمال من أجل بناء الثروة والدولة.

ولذلك فإن القدرة على مواكبة العلوم والتقنيات الحديثة وتطويرها وتجديدها والإبداع فيها ونشرها تعنى بأننا مجتمع نجح في استيعاب العصر الذي يعيش فيه، أمّا إذا أخفق المجتمع في استيعاب أدوات العصر الذي يعيش فيه، فإن التخلف ينتظره بالمرصاد، ونحن حكومة وشعباً نكره التخلف والتقهقر، بل نحن أمة مسلمة مردت على صنع التقدم والتنوير طوال ما ينوف على 1400 عام.

*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.