.
.
.
.

تونس تتجنب أخطار الاقتراض

سمير صبح

نشر في: آخر تحديث:

عشية زيارة رئيس الوزراء التونسي مهدي جمعة باريس يومي 28 و29 نيسان (أبريل) الماضي، تعمد حاكم المصرف المركزي التونسي الشاذلي العيادي، في المؤتمر الصحافي الذي عقده في ختام الأعمال التحضيرية للندوة حول «اقتصاد تونس»، التأكيد على أن بلده ليس في حال إفلاس كما يروج البعض. ولكنه حذر من أن الوضع الحالي للخزينة لن يسمح لها بتحمل أعباء الرواتب في غياب النمو الاقتصادي. ويشير البنك الدولي والاتحاد الأوروبي إلى أن التضخم في حجم هذه الرواتب بلغ اليوم نحو 10 بلايين دينار تونسي (ستة بلايين دولار)، جزء منها عائد إلى توظيف الحكومة السابقة المئات من أنصارها وأنصار حلفائها.

ودعا العيادي رئيس الوزراء قبل سفره إلى فرنسا إلى أن يأخذ في حسبانه ضرورة إيجاد حلول ناجعة وسريعة للمشاكل في المدى القصير، أي خلال 2014 و2015، خصوصاً في ما يتعلق بإيجاد السيولة الكافية التي تحتاجها سوق المال، إلى جانب خفض النفقات ودعم الصادرات عبر الحد من الواردات التي تزيد عجز الموازنة. لكن العيادي شدد على لجم الاقتراض الجاري منذ منتصف عام 2012، واستبداله بجهود لجذب الاستثمارات الخارجية المباشرة والحصول على مساعدات أو هبات لتخفيف الضغوط المتنامية على الاقتصاد التونسي. وبناء على هذه الأرقام السلبية، وفق اقتصاديين تونسيين، على تونس اليوم إيجاد الوسائل الكفيلة بتغطية عجز الموازنة البالغ أربعة بلايين دينار.

وخلال زيارته للعاصمة الفرنسية التي رافقه فيها عدد من الوزراء ووفد من رجال الأعمال التونسيين، حاول جمعة إقناع محاوريه ووسائل الإعلام الفرنسية التي التقى بها، بأن زيارته لا تهدف فقط إلى الحصول على الأموال أو القروض، سواء من الحكومة الفرنسية أو الصناديق المختصة، ذلك لأن الحكومة التونسية تتجنب هذه الوسيلة التي ترتب أعباء مالية إضافية، ناهيك عن خدمة الدين، حتى ولو كانت بأمسّ الحاجة إلى هذه الأموال.

وهدفت الزيارة إلى إعطاء صورة مغايرة عن تلك التي كانت سائدة، ومن هنا جاءت اللقاءات المكثفة مع المسؤولين بدءاً من الرئيس فرنسوا هولاند، ورئيس الوزراء مانويل فالس، ووزير الخارجية لوران فابيوس. وبرز اللقاء المطول مع «جمعية أصحاب العمل» (ميديف)، لإقناع رموزها بأن تونس ستستعيد استقرارها بسرعة، وبأن الشراكة التاريخية (تونس هي الشريك الأول لفرنسا)، تستدعي أن تواكب الشركات ورجال الأعمال الفرنسيون التحولات الجدية الجارية منذ تشكيل الحكومة الجديدة.

وكرر جمعة أمام هولاند أن بلاده لا تريد الحصول على أموال عبر الاقتراض لتسير شؤونها، بل تهدف إلى استعادة الاستثمارات المفقودة والحصول على مساعدة في جذب قطاع الأعمال والتجارة من فرنسا، ناهيك عن الأفراد، خصوصاً أن عدد السياح الفرنسيين تراجع كثيراً على مدى السنتين الماضيتين.

ووفق رأي أحد الوزراء المرافقين لرئيس الوزراء التونسي، يتلخص الهدف من هذه الزيارة في البحث عن دعم فرنسي لإنجاح العملية الانتقالية بكل جوانبها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وفي طليعة هذه العوامل مواكبة الإعداد للانتخابات التشريعية الديموقراطية المقبلة المفترض أن تجري قبل نهاية العام. فإذا كانت تونس تأمل بنهاية المطاف الخروج من أزمتها بعد شهور طوال من حال عدم الاستقرار السياسي والأمني والمشاحنات السياسية والأخطاء التي ارتكبتها حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، ما زاد الأمور تعقيداً، يجب على الحكومة المحايدة الموجودة الآن في السلطة مواجهة التحديات الصعبة التي تعترض طريقها.

وإذا لم تتمكن هذه الأخيرة من إيجاد الموازنات المطلوبة والأدوات الضرورية لإنجاح العملية الانتقالية برمتها، أي العملية الانتخابية التشريعية واختيار رئيس جمهورية يغير صورة تونس ويفرض احترامها داخلياً وخارجياً، وتصحيح الموازين الاقتصادية وإعادة عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى الدوائر الخضر في أوقات قياسية، فإن الانتخابات التي ينتظرها الجميع وتراقب إنجازها عن كثب الدول المعنية مباشرة بتونس ومستقبلها، يمكن إرجاؤها إلى 2015 ما يعيد البلاد إلى شفير الهاوية.

وبغض النظر عن التحسن النسبي في المناخ الأمني والسياسي والاقتصادي وليس الاجتماعي، فإن عدم الحصول على المساعدات وجذب الاستثمارات التي تسد أجزاء من العجز على كل المستويات وتخلق فرص عمل تحد من ارتفاع البطالة وتعمل في أحسن الأحوال على تراجعها سيمثل مشكلة، فالحكومة التونسية التي تحارب الإرهاب اليوم بجدية تجب مكافأتها من العالم عبر تقديم المساعدات المالية لها بسرعة، كي تتمكن من الصمود والنهوض باقتصادها. ومن هنا جاءت فكرة عقد المؤتمر الدولي لمساعدة تونس بمشاركة أوروبية وخليجية عربية ربما في أيلول (سبتمبر) المقبل.

ومما يؤكد قناعة تونس بتجنب أخطار الاقتراض، التصريح الذي أدلى به جمعة، إثر عودته من باريس والذي لم يخف خلاله استياءه من تعليقات بعض ممثلي الطبقة السياسية التونسية وعدد من وسائل الإعلام المحلية التي اتهمت بعض الوزراء المرافقين له بممارسة «التسول» بهدف الحصول على الدعم المالي.

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.