.
.
.
.

البترول الصخري... ومستقبل الطاقة

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

ثمة أسئلة تُطرَح حول مستقبل الطاقة، أهمها دور الثورة الجارية على صعيد الإنتاج المرتفع للنفط والغاز الصخريين (البترول الصخري) في الولايات المتحدة. والسؤال الأبرز: هل ستستطيع الولايات المتحدة تحقيق «الاستقلال في الطاقة»، وهو شعار تطرحه منذ النصف الثاني من القرن العشرين، والمقصود به فك الاعتماد على النفط المستورد، خصوصاً العربي، لـ «تحرير» السياسة الأميركية من «الضغوط» العربية في رسم سياستها الشرق أوسطية؟ وهناك أيضاً السؤال عن أهمية النفوط «التقليدية»، أي الشرق أوسطية، في هذا العالم الجديد حيث تنتج الشركات كميات ضخمة من البترول الصخري تنافس النفط والغاز التقليديين، فمتى سيحدث تغيير جذري في صناعة النفط، وما هي أهمية التغيير في التجارة الدولية والأسعار؟

خصصت دورية «فورين أفيرز» الأميركية حيزاً كبيراً في عددها الأخير لأيار (مايو) وحزيران (يونيو) لهذا الموضوع المهم من خلال مقالات لخبراء. ولفت تركيز الدورية المهمة على إمدادات البترول الصخري من دون إعطاء الأهمية نفسها إلى جوانب أخرى، مثل التغير المتزايد للاستهلاك في الاقتصادات الناشئة (الصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل)، حيث الطلب في بعضها سيزيد عنه في الولايات المتحدة. وبدأت هذه المؤشرات تبرز ويُتوقَّع ارتفاع الطلب على الطاقة في هذه الدول التي يُعَد سكانها بالبلايين، مع النمو الكبير للطبقات الوسطى، ما يعني ازدياد استهلاكها الطاقة، وتنوع الأسواق الضخمة وازديادها وعدم انحصارها في الولايات المتحدة أو أوروبا وهذا يستتبع مرونة أكثر في التسويق.

ولم تركز الدورية كثيراً على اهتمام الشركات باكتشاف نفوط غير تقليدية أخرى، تتحمل من أجلها أخطاراً وتكاليف مرتفعة في مقابل التنقيب في أعماق البحار، والدافع إلى هذا هو الزيادة العالية لاستهلاك الوقود الهيدروكربوني. ولا تقدم مقاربة صناعة البترول من منظور جزئي سوى إجابات مجتزأة إذ لا يمكن فهم أهمية البترول الصخري مستقبلاً من دون النظر بتعمق أكثر في الأنماط المتوقعة للطلب على الطاقة. وتدل مؤشرات على زيادة مستمرة في الاستهلاك في دول صناعية حديثة، ما يتطلب توفير كميات أكثر.

واختلفت آراء الخبراء المشاركين بتباين تجاربهم، فهناك من قال إن صناعة البترول الصخري ستبقى محصورة في الولايات المتحدة لعدم توافر شروطها الجيولوجية والقانونية في بلدان أخرى، وثمة من رحب بإنتاج البترول الصخري ووجد فيه «منقذاً» للولايات المتحدة إذ سيساعدها في تحرير سياساتها، وتشكيل عامل مهم لاقتصادها لأنه سيوفر الوقود المحلي بأسعار تنافسية للصناعات الثقيلة التي هاجرت إلى حيث التكاليف أقل.

وتخلص «المدرسة المتفائلة» إلى أن البترول الصخري سينعش الاقتصاد الأميركي، مشيرة إلى ما استطاعت الصناعة تحقيقه، فالولايات المتحدة تبوأت مركز الصدارة خلال ثلاث سنوات في حجم إنتاج النفط ووتيرته، إذ ازداد الإنتاج 60 في المئة منذ 2008 أو ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى ثمانية ملايين، فيما يُتوقَّع أن تنتج الولايات المتحدة رقماً قياسياً لم تعرفه سابقاً وهو أكثر من 10 ملايين برميل يومياً، ما يضعها في مصاف الدولتين النفطيتين الأكبر، السعودية وروسيا.

وتدل المؤشرات إلى استمرار هذه الزيادات في المستقبل المنظور، كما ارتفع إنتاج الولايات المتحدة للغاز الطبيعي 25 في المئة منذ 2010، والسبب الرئيس لتباطؤ الزيادة هو الانهماك في تشييد منشآت جديدة لتصدير الغاز المسال تستوعب الإمدادات الجديدة، وازداد إنتاج الولايات المتحدة بنحو مليون برميل يومياً من سوائل الغاز الطبيعي. وثمة توقعات بزيادة مليون برميل يومي قريباً.

وأدى هذا الإنتاج الواسع والسريع للبترول الصخري إلى توقعات في صناعة البترول العالمية وفق «المدرسة المتفائلة». فالتوقعات السابقة كانت تشير إلى أن الزيادات المهمة في إنتاج النفط سيكون مصدرها الأقطار الأعضاء في منظمة «أوبك»، وبرزت على ضوء ذلك نظرية توصل العالم إلى «ذروة النفط»، بمعنى أن دول «أوبك»، خصوصاً السعودية، وصلت إلى طاقتها الإنتاجية القصوى، وأن احتياطاتها غير كافية لتلبية الزيادات المتوقعة للطلب العالمي. ولكن النفط الصخري أدى إلى نسيان هذه النظرية.

إن صناعة الطاقة هي في صدد الحصول على مصدر مهم من الإمدادات، وهذه حقيقة واقعة. أما الأمر غير الواضح حتى الآن فهو: هل يمكن توسيع الإنتاج ليشمل دولاَ عدة أخرى غير الولايات المتحدة، وهل بالإمكان زيادة الإنتاج إلى مستويات عالية وبسرعة كما تحقق في الولايات المتحدة، خصوصاً أن دولاً مهمة مثل فرنسا وألمانيا حظرت صناعة البترول الصخري تحت ضغوط جمعيات البيئة؟

أصبح واضحاً أن الولايات المتحدة عازمة وقادرة على تحقيق الاستقلال في الطاقة. لكن هذا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون في حاجة إلى استيراد إمدادات ضخمة من النفط الخام. ونلاحظ الآن أن صادرات النفط العربية إليها ضئيلة جداً، بل تكاد تكون معدومة من معظم الدول العربية باستثناء السعودية. فهل هذا معناه أن الولايات المتحدة لن تتأثر بتقلبات الأسواق والأسعار العالمية إذا لم تستورد كميات ضخمة من النفط؟ هي ستتأثر حتماً لأنها ستصدر النفط، ما سيعني أن أي انخفاض في الأسعار سيؤثر في ميزانها التجاري، كما أن أي ارتفاع سريع في الأسعار بسبب أخطار أمنية على الإمدادات كالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، مثلاً، سيؤثر في قيمة وارداتها من الدول الآسيوية والأوروبية التي تصدر كثيراً من البضائع إلى الولايات المتحدة.

هناك متغيران أساسيان متوقعان: أولاً، ستعتمد الولايات المتحدة في صورة كبيرة على النفط الخام والغاز الطبيعي المحلي، ما يعني تقليص الصادرات إليها؛ ثانياً، يُتوقَّع حصول تغييرات كبيرة في مجالات وأسواق النفط العالمية، علماً أن المتغيرات في أسواق النفط العالمية ليست جديدة، فقد حدثت متغيرات مشابهة عند اكتشاف حقول ألاسكا وبحر الشمال ولدى بدء إعادة التصدير من دول بحر قزوين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولم تشكل هذه التطورات نهاية دور نفط الدول العربية في صناعة النفط العالمية.

لقد تغيرت الأسواق واتجاهات الصادرات، كما انخفضت الأسعار لفترات معينة ثم عاودت الصعود إلى مستويات عالية. المهم في نهاية المطاف هو كيفية إدارة سياسة واقتصاد البلاد النفطية، ووضع الأطر والقواعد لعقود اجتماعية متفق عليها محلياً وإنهاء الإسراف والتفريط بمصدر الرزق الأساسي قبل فوات الأوان.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.