.
.
.
.

أقدم لكم المشاغب «أُبَرّ»

إحسان علي بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

قبل نحو شهرين من الآن تعرفت على "أُبَرّ"؛ خدمة طلب سيارة خاصة لتنقلك من مكان لآخر مقابل أجر. هي ليست «تاكسي»، وليست بالضرورة من خدمات الفخامة والأبهة، لكنها مجرد خيار آخر للتنقل. عندما جربت خدمة «أُبَرّ» للمرة الأولى كنت في واشنطن، وطلبنا الخدمة عبر تطبيق للجوال. يُظهر لكَ التطبيق موقعك، ويبين لك سيارات «أُبَرّ» القريبة منك، والوقت المتوقع (بالدقائق) لوصول سيارة إليك. أتت سيارة حديثة ونظيفة يقودها سائق لبق، تأكد من العنوان الذي سبق أن أرسلناه له، وكانت لدينا تسعيرة تقديرية. صادفنا زحام شديد، فقد استغرق المشوار أكثر من ضعفي الوقت، وأخذت أشعر بأن التكلفة ستتضاعف. كان السائق هادئا ويعتذر عن الازدحام غير المتوقع، وبالفعل فقد كانت إعاقة السير ناتجة عن حادث.

عدت للرياض، وكلي اهتمام لأعرف هل الخدمة متاحة. فتحت التطبيق فظهرت لي على الشاشة سيارات تحوم، مع تقدير للوقت لوصول إحداها لموقعي بالدقيقة

كان فضولي قد وصل مداه لأعرف كم سيكون الفارق بين التسعيرة وما سيطلبه منا السائق. لكن شيئاً من كل هذا لم يحدث. فما أن توقفت السيارة حتى سألناه عن التكلفة، فكانت تقريباً مطابقة للتسعيرة التي أعطيت عندما طلبنا السيارة من تطبيق «أُبَرّ»، ممتاز مددت يدي لجيبي لأدفع، فقال: سيخصم من البطاقة الائتمانية، وهذا ما كان بالفعل. وفي طريق العودة وتجنباً لأي مفاجآت قررنا (من معي وأنا) أخذ المترو. لكن بقيت تجربة «أبرّ» ملفتة، عن كيفية اشتقاق الحلول المنافسة.
عدت للرياض، وكلي اهتمام لأعرف هل الخدمة متاحة، فتحت التطبيق فظهرت لي على الشاشة سيارات تحوم، وقدر لي وقت وصول إحداها لموقعي بالدقيقة. حقيقة لم أكن بحاجة لسيارة آنئذ، ولذلك لم تتح لي الفرصة لتجربة الخدمة ومستواها في الرياض. لكن أكدّ لي البعض أنها عاملة، وقال أحدهم إنه استخدمها شخصياً.
بالنسبة لمجتمعنا ولمحدودية خيارات النقل العام وتزايد أعداد النساء العاملات، فلخدمة مثل «أُبَرّ» قيمة عالية، فهي تسهل انتقال المرأة من المنزل لمكان العمل وبالعكس، على الأقل ريثما تتاح خيارات أخرى أكثر كفاءة لتنقلها. وبالتأكيد ليس للمرأة فحسب بل لكل من له رغبة في الانتقال بسيارة خاصة حديثة ونظيفة. والقضية ليست «أُبَرّ» تحديداً بل هيكلة الخدمة التي تقدمها، فهي خيار أكثر ملاءمة، خصوصاً عند المقارنة مع سيارات الليموزين التي تجول شوارعنا في الوقت الراهن؛ ففي أحيان كثيرة –ولا أعمم- تجد السيارة غير مهيأة من حيث المظهر والنظافة ولا حتى لباقة السائق، ثم عملية التفاوض المتعبة، وفوق كل هذا لا يوجد أي تأهيل للسائق لقيادة سيارة ليموزين بما في ذلك التعامل المهني مع الزبائن، والأمر غير المطمئن أن السيارة غير مرتبطة بنظام اتصال مع مركز يتابعها لاعتبارات عديدة. بالنسبة لاحتياجاتنا وواقع النقل العام عندنا، فأقول حتى لو لم تكن خدمة «أُبَرّ» موجودة كان علينا اختراعها، فهناك من لا يريد استقدام سائق أو لا يستطيع استقدام سائق أو أنه بحاجة لسيارة بسائق لسبب أو لآخر. ما زلت أتذكر «تغريدة» عبر توتير لطالبة مواطنة فاتها اختبار نهائي بسبب عدم وجود سائق وانعدام السبل لوصولها لجامعتها، فأخذت تغرد ألماً. لو كانت خدمة «أُبَرّ» أو شبيه لها متاحة في المدينة التي تقطنها تلك الفتاة، لما فاتها الاختبار. فنحن حالياً نجعل لسائق الأسرة أهمية حرجة، بحيث ترتبك الأسرة إن ذهب في إجازة أو حتى إن أطاح به المرض لعدة أيام. هل هذا أمر يعقل؟!
كنت في اجتماع بلندن، وبعد انقضائه أخذت أبحث عن تاكسي، وجدت واحدة واقفة، تحدثت مع السائق فقال إنه في استراحة الغداء. قررت المشي للشارع الرئيسي لأشاهد مشهداً مهولاً: مئات سيارات التاكسي (تاكسي لندن الشهير)، وقد شغلت شوارع المنطقة، وكانت متراصة الواحدة تلو الأخرى لمئات الأمتار. اقتربت من إحداها، فقال السائق: نحن في إضراب، أنصحك بالمشي، فالشوارع مزدحمة. وبالفعل واصلت المشي حتى وصلت منطقة البرلمان والتي من أشهر معالمها ساعة بيج بين، هناك اتضحت ضخامة الحدث؛ الشوارع بكل الاتجاهات مزدحمة بسيارات التاكسي واقفة، وشرطة المرور فوقها بالهليكوبتر! أما سائقو التاكسي فقد ترجل معظمهم من سياراتهم وقوفاً عند باب السائق!.
لم أستقص أمر الاضراب، لكن صوره تصدرت الصفحات الأولى للصحف، عرفت عندها أن السبب هو «أُبَرّ»! بل كان جزءا من إضراب أوروبي أسبوع احتجاج على استخدام «أُبَرّ» التعرفة المحتسبة بالعداد، وأن هذا أمر يجب أن يقتصر فقط على التكاسي وليس لأي جهة أخرى، ففي وجهة نظرهم خدمة «أُبَرّ» ليست مرخصة كتاكسي، ولذلك يجب ألا تستخدم العداد لاحتساب التعرفة. أقترح أن تتجمع شركات تأجير السيارات وتطلق خدمة «جاك» لتنافس «أُبَرّ» عندنا، فعدد سياراتها محدود وكذلك انتشارها في أنحاء المملكة. لعل الأمر بحاجة لدراسة مستفيضة، لكن توفر الخدمة بكفاءة سينهي حاجة العديد من الأسر لسائق خاص، وسيوفر بديلاً ضرورياً لمن يريد الانتقال بيسر وسهولة.

نقلا عن اليوم

http://www.alyaum.com/News/art/145664.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.