.
.
.
.

التجار والأسهم.. والحكومة

عبد الوهاب الفايز

نشر في: آخر تحديث:

هل ما يحدث لدينا من جهود لتمكين المستهلك، وتمكين ملاك الشركات المساهمة، بالذات صغارهم، في مصلحتنا جميعا، رغم بعض المرارة التي قد يتجرعها البعض؟
دعونا اكثر ايجابية وتفاؤلا لنقول: ان خطوات هيئة سوق المال لتطبيق الانظمة بحق الشركات المساهمة ذات الأداء المتواضع او السيئ جدا في السوق، وكذلك جهود وزارة التجارة والصناعة لتحديث الانظمة واللوائح التي تحكم قطاع التجارة المحلية، وايضاً الجهود التي يبذلها مركز كفاءة الطاقة لتصحيح اوضاع استهلاك الطاقة الخطير على بلادنا، كل هذه الجهود الحكومية المتتابعة.. في تصوري ان المستفيد الاكبر منها على المدى البعيد هم الناس جميعا، وايضا منشآت القطاع الخاص. اننا لسنا ازاء عمليات تحدٍ وصراع بين الاجهزة الحكومية، وبين قيادات وملاك المنشآت الخاصة، كما يحلو للبعض تصويرها او اعتسافها لتخدم حالة الانتشاء بمظاهر الصراع.
القضية هي (شعرة معاوية) التقليدية بين الحكومة والقطاع الخاص، هكذا يصورها القيادات من العصاميين الحقيقيين في مجالات التجارة والصناعة، هم يرونها حالة طبيعية. في فترات سابقة أرخت المؤسسات الحكومية الشعرة قليلا عبر الدعم المباشر وغير المباشر للقطاع الخاص.. وهذه أعطت مؤسساتنا وشركاتنا الفرصة للنمو والتوسع وتنويع مجالات النشاط التجاري والصناعي، وحققت هذه المنشآت على المستويين المحلي والدولي إنجازات نفخر بها وهي جزء رئيس مكون لناتجنا الوطني.
الآن الشعرة تشدها قليلا الاجهزة الحكومية، اي الى الناس، والقطاع الخاص الآن يرخيها. لا احد ينكر ان احتياجات المستهلك وحقوقه في السنوات الماضية لم تكن تلقى الاهتمام من منشآت القطاع الخاص. ليس في هذا سوء نية وطوية ورغبة في الإضرار بالناس. القصور يعود لطبيعة الادارة في مجتمعنا التي لم تنم فيها التجربة الإدارية وتتواجد لديها البنية المحترفة من الموارد البشرية، وايضاً حتى مفهوم خدمات ما بعد البيع وتحولها لأحد الأركان الاساسية لتسويق وبيع المنتجات، هذه النزعة انطلقت بقوة قبل عشر سنوات في أوروبا وأمريكا وأثرت إيجابيا على اداء الشركات هناك، وكانت لها ايضا ظلالها الإيجابية على ممارسات القطاع الخاص لدينا.
ايضا الشركات المساهمة من مصلحة قياداتها ومجالس إداراتها ومالكيها ان تتشدد هيئة سوق المال في تطبيق الانظمة. الشركات أدوات هامة لتوليد الثروة وتنمية الفرص الناجحة في التجارة والصناعة، وفي علم المنظمات والمنشآت. الضغوط الخارجية التي تأخذ شكل التهديد الوجودي لكيان المنشأة ربما تكون عاملا حافزا لإعادة استجماع قوتها وطاقتها، ومراجعة الظروف التي مرت بها، وإعادة تحليل نقاط القوة والضعف. هكذا هو التفكير الإيجابي الذي يرى في التحديات فرصا جديدة.
كذلك وبنظرة مستقلة أرى في الجهود الحكومية هذه أمرا إيجابيا لاستقرار بلادنا على المدى البعيد. المعروف ان تفعيل حقوق المستهلكين في المجتمع، في مختلف المجالات، هو احد اليآت تفعيل وتمكين (الطبقة الوسطى). فوجود طبقة وسطى حيوية وذات استقرار وقدرة شرائية ووعي بمتطلبات الجودة والسلامة، هذه اكبر داعم لتوسع بيع منتجات وخدمات الشركات.
اننا بحاجة الى تنظيف اسواقنا من البضائع الرديئة والمغشوشة والمقلدة، والتي يشكل بعضها الرجيع الذي رفضته مواصفات ووعي المستهلكين في الدول المتقدمة. في أسواق العالم الثالث ذات القوة الشرائية الجيدة، مثل اسواقنا، تروج هذه البضائع وتزدهر، والضحية هو المستهلك، ثم التاجر النزيه الجاد الملتزم بالاخلاقيات والأنظمة، والضرر الكلي يتلقاه المجتمع والاقتصاد الوطني.
عندما قاد (رالف نادر)، في الستينيات من القرن الميلادي الماضي، حملة المستهلكين في امريكا ضد قطاع السيارات والتي أطلقها في كتابه بعنوان، غير آمنة بأية سرعة (unsafe at any speed)، ووقتها حظي بشعبية كبيرة حتى ان احد المؤرخين لحركات المستهلكين جزم ان نادر ربما فاز بالرئاسة في امريكا لو ترشح للانتخابات رغم اصوله العربية. تلك الحملة رغم تأثيرها الوقتي السيئ على قطاع السيارات الا انها كانت دفعة للقطاع ليعيد حيويته ويستجمع قوته، وكان ذلك الجهد المزعج لصناعة السيارات في مصلحة المستهلك والشركات، وكسب منه الاقتصاد الامريكي.
اجزم ان في قطاعنا الخاص قيادات لديها العزيمة والقناعة والشجاعة لمواجهة مشاكل منشآتها الداخلية للاستجابة لمتطلبات الاوضاع الجديدة، وهم بهذه النزعة الإيجابية يؤسسون ايضا لحقبة جديدة في ذهنية القطاع الخاص تتمتع بالمرونة وسعة الأفق والرغبة لان يكونوا جزءا من الحل وليس سببا للمشاكل.
اننا في مرحلة تفرض أوضاعا جديدة على الحكومات لتكون اكثر حيوية ومبادرة للاستجابة لاحتياجات الناس. لقد أوجدت بيئة الاعلام الجديد مساحة جديدة للناس لممارسة دورهم السياسي في الشأن العام، وتدفق المعلومات السريع وتعدد قنواته يفرض ايضا واقعا ضاغطا على المشتغلين بالشأن العام وعلى مؤسسات الحكم والتشريع. اننا في عالم تتشكل معالمه الكبرى بعيدا عما عرفناه في نواح عديدة، والوعي بهذه المتغيرات والاستعداد لها أفضل من الإنكار!.


*نقلا عن اليوم

http://www.alyaum.com/News/art/147458.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.