عامل مقيم يحول مليون ريال لبلده !

مشاري العفالق
مشاري العفالق - العربية.نت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

خطوة جيدة أن تستجيب بعض البنوك لتوجيه من مؤسسة النقد السعودية بتجميد بعض الإيداعات الضخمة التي لا تتناسب مع بعض الوظائف، لا سيما العمالة التي تودع ملايين الريالات سنوياً، فيما لا تزيد رواتبها المعلنة أو المقدّرة عن مئات الريالات شهرياً، لكن الاستجابة من بعض البنوك لا يكفي للتصدي لظاهرة سيطرة العمالة الأجنبية على قطاع المنشآت الصغيرة تحت غطاء من كسالى السعوديين، ولا يمكن أن يقف في وجه الإتجار بالممنوعات أو الكسب غير المشروع الذي يمارسه بعض العمالة في بلادنا مقابل دفع ريالات للكفيل.

ومن جهة أخرى، قد تلوح في الأفق إشكالية قانونية في تصرف البنوك وحتى مؤسسة النقد السعودية، فهي بهذه الكيفية تصدر أحكاماً نافذة بناءً على تقديراتها تجاه بعض المقيمين، وتثير علامات استفهام حول آلية الفرز ومصداقيتها، وإحالة المودع للتحقيق، ثم مصير الأموال المحتجزة.

ومن جانب آخر، فإن تهاون بعض البنوك في الاستجابة لهذه المطالب أو التغاضي عن بعض الأرصدة مبرَّر، فمصلحة البنوك بالتأكيد في استمرار حسابات عملاء يودعون مبالغ كبيرة، وبمعنى آخر بأن هذا الإجراء لا يتضمن آلية واقعية لمراقبة أداء البنوك في تنفيذ هذا المطلب الوطني، ولو افترضنا أن البنوك قامت بدورها في هذا الشأن، فلا يزال أمام وزارة العمل، ووزارة التجارة وغيرها من الجهات المعنية بهذا الموضوع الكثير من الأدوار التي لم تقم بها في هذا الصدد، فكثير من المقيمين يخبئ الأموال (الملوثة) في جحور تحت الأرض وأماكن يصعب التكهن بها أو لدى آخرين يساعدونهم في غسيل أموالهم ثم تهريبها خارج المملكة، كما أن شركات التحويل السريع تنفذ تحويلات بمليارات الريالات إلى الخارج، وبصورة مباشرة لا تمر عبر الحسابات البنكية، ولا يمكن الاعتقاد بأنه يمكن التحكم بها من خلال التوجيه الصادر من مؤسسة النقد أو من خلال اجتهادات البنوك و تعاونها مع التوجيهات التي تصلها في هذا الشأن.

و طالما رفعت وزارة العمل سقف التوقعات في مطاردة المتسترين عن العمالة أو العمالة غير النظامية، وتلك التي تجني الأموال بالمتجارة تحت غطاء سعودي ودون تحمل مخاطر الخسارة، فإن من واجبها تنفيذ جولات حقيقية للاطلاع على قائمة الدخل للمحلات الصغرى، ومراقبة تدفقاتها المالية وإلزامها بإيجاد عمل مؤسسي حقيقي، وهذه الخطوة ليست بالسهلة فهي تتطلب جهوداً كبيرة لتطوير عمل المنشآت الصغيرة والصغيرة جداً، والتي تشكل الجانب الأكبر في الاقتصاد السعودي، فهي في الغالب لا تملك أي آلية معقولة لإدارة الأعمال، ولا تتضمن أعمالها أرضية محاسبية يمكن الاعتماد عليها ومراقبتها، وتتعامل مع النقد بصورة تتداخل مع أرصدة صاحب العمل.

ومن جانب آخر، لا بد من إيجاد قوانين توضح عقوبات التستر على المبالغ النقدية غير المشروعة لتكون البنوك تحت طائلة العقوبة في حال وجود أرصدة متضخمة لا تتناسب مع الدخل المعلن من صاحب العمل، والذي بدوره لا بد من تطبيق العقوبات بحقه في حال تستره بقصد عن العامل أو إصدار تعريف بدخل غير حقيقي للعامل.

ومع هذا لا بد أن لا يتجاوز دور البنوك إطلاع الجهات الأمنية المختصة بحالات الاشتباه في مقيم بسبب إيداع مبلغ كبير أو غيره، ليخضع لتحقيق عادل يكون له الحق في تبرير الإيداع الضخم، واتخاذ الإجراء المناسب بحقه وهو ما قد يفضي إلى الإيقاع بعصابات محتملة، وفي هذه الحالة لا بد وأن تحدد معايير دقيقة ومعلنة لتعريف مصطلح الاشتباه، أما التحويلات المباشرة سواء من خلال البنوك أو شركات تحويل الأموال، فلا بد من وضع ضوابط في استقبال التحويلات تضمن مشروعية مصدرها، وإن تطلب ذلك وضع حدود للتحويل النقدي تتناسب مع الوظيفة الفعلية أو إرفاق إثبات للدخل من صاحب العمل، أو أية ضمانات أخرى، وتحدد المسؤوليات والعقوبات للمخالفين، وأياً كانت الخطوات المتخذة فإن تواجد بعض المقيمين والذين يمارسون جمع الأموال عن طريق التسول أمام الإشارات الضوئية والمساجد جهاراً نهاراً، وكذلك افتراش الشوارع والبيع من خلال البسطات غير المرخصة، وتكدس العمالة في المزادات ومساوماتها على مبالغ كبيرة، لا يعد مؤشرا إيجابيا حول الخطوات التصحيحية الأخيرة، ولعل التساهل في تنفيذ قرارات وزارة العمل (والتي كنّا نتمنى أن تطلق بصورة تدريجية كي لا تُضر بمصالح المواطنين الذين يعتمدون على التستر بصورة كاملة، وكذلك على الاقتصاد القائم على المشاريع الصغيرة والصغيرة جداً)، إلا أن التهاون في هذا المسار اليوم بمثابة رسالة خاطئة بأن الجهات المعنية غير قادرة على التصدي لهذه الظواهر، مما سيشجع البعض على مزيد من الأعمال غير الشرعية، ويبقى الأهم هو أن يتم تنفيذ مشروع التصدي للعمالة غير النظامية، والعمالة التي تمتهن أعمالا غير مشروعة، والعمالة المقنعة (وأقصد بهذا المتاجر الحقيقي تحت ستار سعودي وبمال ذلك الكفيل)، بصورة جماعية تشترك فيها جميع الجهات الحكومية فمبادرة وزارة العمل أو توجيه مؤسسة النقد أو اجتهاد البنوك بصورة منفردة لن يجدي أبداً.

* نقلا عن صحيفة "اليوم"

https://www.alyaum.com/article/4008570

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.