.
.
.
.

نصف قرن على صناعة الغاز المسال

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

تصادف هذا العام ذكرى مرور نصف قرن على انطلاق صناعة الغاز المسال، فشركة «سوناطراك» بدأت تصدير الغاز المسال الجزائري من منشآت أرزو إلى بريطانيا في 1964. وكان تصنيع الغاز المسال اكتُشف أواخر القرن التاسع عشر وجُرّب تصدير بعض الشحنات إلا أنها كانت محدودة. ولم يبدأ التصدير التجاري المستمر إلا بعد الشحنة الجزائرية الأولى إلى السوق البريطانية.

يشير تقرير الأمين العام السنوي لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) لعام 2013 إلى ان الطاقة الإنتاجية الاسمية للغاز المسال في الدول العربية بلغت نحو 131.5 مليون طن سنوياً، أو نحو 46.7 في المئة من إجمالي الطاقة الإنتاجية للغاز المسال في العالم. وتحتل قطر المرتبة الأولى بين الدول العربية إذ تستحوذ 58.6 في المئة من الإجمالي، تليها الجزائر بنسبة 14.8 في المئة، ومصر بواقع 9.3 في المئة، وعُمان بـ 7.9 في المئة، واليمن بنحو 5.1 في المئة، والإمارات بنسبة 4.4 في المئة.

ومرت الصناعة العالمية للغاز المسال بثلاث مراحل أساسية خلال العقود الخمسة الماضية. الأولى: هيمنة شركات النفط الوطنية للجزائر وماليزيا وإندونيسيا على الصناعة. الثانية: مساهمة شركات النفط العالمية إلى جانب الشركات الوطنية في هذا القطاع، خصوصاً في قطر ونيجيريا. الثالثة: وهي الفترة الحالية، إذ أخذت الشركات المالية والمحافظ الاستثمارية تؤدي دوراً مهماً في الصناعة، كما هو حاصل في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

وتميزت المرحلتان الأوليان باستقرار الصناعة وثبات العقود والأسعار والجهات المستوردة على المدى البعيد (نحو 25 سنة)، بينما بدأ الوضع يتغير تدريجاً مع المرحلة الثالثة، حيث العقود والأسعار فورية، وتصدير الغاز إلى جهات متعددة ومتغيرة (وفق التطورات في الأسواق). وشهدت المرحلة الثالثة طفرة كبيرة في عدد الدول المصدرة، يفوق بكثير عدد المصدرين السابقين. ويُتوقع قيام نحو 79 مصنعاً لتسييل الغاز عالمياً بحلول 2030، مقارنة بـ 37 مصنعاً نهاية 2013.

وتتمثل الميزة الأساسية في تصدير الغاز المسال في إمكانية شحنه عبر البحار والمحيطات في ناقلات متخصصة، بدلاً من تصديره عبر الأنابيب التي تتطلب مسافات واتفاقات ثنائية معقدة حول العبور ورسوم الترانزيت، كما هو وضع التصدير من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا، ما يسمح بانعكاس الخلافات السياسية على عبور الغاز.

وتتوقع دراسة صدرت أخيراً عن مصرف «ستاندرد تشارترد» ان إمدادات الغاز المسال ستبقى حرجة أو قليلة نسبياً مقارنة بالطلب في المدى القصير بسبب عدم اليقين والشكوك حول مواعيد تشييد المصانع العالمية المزمع إنشاؤها حتى 2020. وتتوقع الدراسة استمرار الأسعار عند مستويات عالية حتى نهاية العقد لاحتمال نقص العرض بالنسبة إلى الطلب. وتتعدد الأسباب لتأخير تشييد المعامل الجديدة، منها اقتصادات مشاريع إسالة الغاز غير التقليدي، وبعضها الآخر ضرورة بناء البنى التحتية لخدمة المصانع الجديدة.

ويتوقع «ستاندرد تشارترد» في المدى المتوسط ازدياد الطلب العالمي على الغاز المسال إلى نحو 556 مليون طن سنوياً بحلول 2030، وأن تكون غالبية الطلب من الدول الآسيوية ذات النمو المتصاعد. وتشير الدراسة أيضاً إلى أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي سيبلغ 835 مليون طن سنوياً بحلول 2030، وأن نحو 44 في المئة من هذا الطلب سيكون على الغاز المسال. ونوهت الدراسة بأن نحو 216 مليون طن من الطلب على الغاز المسال للدول الآسيوية لم يُتفَق عليه حتى الآن ما يعني توقع ارتفاع أسعار الغاز في الدول الآسيوية، لشدة المنافسة بينها لتأمين الحصول على عقود التزويد.

وستزيد زيادة الطلب على الغاز المسال والعدد الكبير نسبياً للمصانع الجديدة المزمع تشييدها المنافسة على التعاقد مع الشركات الهندسية والخدمية المتخصصة في تشييد مصانع التسييل. وهذا سيعني ارتفاع أسعار الآلات والأدوات اللازمة، ناهيك عن أجور وأرباح الشركات المعنية. وقد تؤدي هذه المنافسة لتشييد هذا العدد الضخم من المصانع في وقت قصير إلى زيادة التكاليف في الموازنات المخصصة لهذه المشاريع، بالإضافة إلى انتهاء مرحلة احتكار القلة «أوليغوبولي» لشركات الغاز المسال.

هناك متغيرات أساسية بدأت تغير معالم صناعة الغاز المسال العالمية. والأمثلة متعددة ومختلفة، فأزمة أوكرانيا عرّضت صادرات الغاز الروسية لأوروبا إلى خطر، وبدأت دول الاتحاد الأوروبي تدرس البدائل لإيقاف الاعتماد على مصدر رئيس واحد للغاز والتحول إلى مصادر استيراد متعددة. والاكتشافات الضخمة للغاز الصخري في كل من الولايات المتحدة وكندا أحدثت تغييرات مهمة في طبيعة صناعة الغاز العالمية. فبدلاً من أن تشكل الولايات المتحدة أكبر وأهم سوق عالمية لاستيراد واستهلاك الغاز، تتحول الآن إلى دولة مصدرة مهمة. وهناك دول أخرى أيضاً كانت تصدر الغاز وتغيّر وضعها فبدأت تستورده، كما هي الحال في مصر. وهناك دول كانت تستورد الغاز حتى فترة قريبة جداً، وهي الآن في صدد تصديره، مثل إسرائيل.

ومع التقدم المستمر في بحوث التقنية، أصبح من الممكن استكشاف الغاز الطبيعي وإنتاجه من أعماق بحرية غير مسبوقة (نحو 20 ألف قدم تحت سطح البحر، كما هو حاصل في شرق البحر المتوسط). وهناك حقول جديدة عملاقة اكتُشفت أخيراً في مناطق بحرية شرق أفريقيا، بالإضافة إلى الاكتشافات في أستراليا، حيث يتوقع بدء التصدير قبل نهاية هذا العقد. ومحاولات اكتشاف الغاز مستمرة من دون توقف، كما هي الحال مع النفط منذ أكثر من قرن. وآخر المحاولات لاكتشاف الغاز (الوقود النظيف) تجري في القطب الشمالي. والمنافسة ما بين الدول المطلة على المياه المتجمدة للقطب، لكن المجتمع المدني يبدي اعتراضات قوية على التنقيب في القطب محذراً من التلوّث.

* نقلا عن صحيفة "الحياة"

http://alhayat.com/Opinion/walid-khadouri/4270714/النفط-في-أسبوع-(نصف-قرن-على-صناعة-الغاز-المسال)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.