.
.
.
.

جيوسياسة غاز شرق المتوسط

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

أثار مؤتمر حول الموارد البترولية في شرق المتوسط عقد الأسبوع الماضي في بيروت برعاية كل من مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيش اللبناني وهيئة إدارة البترول، مواضيع، منها العوامل الجيوسياسية التي يثيرها اكتشاف الغاز في شرق المتوسط، خصوصاً في ضوء الأوضاع السياسية المتأزمة في هده المنطقة من حروب وغياب رسم الحدود في المناطق البحرية الاقتصادية الخالصة قبل بدء عمليات الاكتشافات، ناهيك عن أخطار الحروب على المنصات في عرض البحر.

لا شك في ان معظم النشاط البترولي في دول العالم، رافقته خلافات سياسية نتيجة تضارب المصالح، ومنطقة شرق المتوسط لا تختلف عن غيرها من المناطق البترولية الموعودة. لكن ثمة خلافات في التفاصيل وطبيعة النزاعات ما بين منطقة وأخرى. من هنا تأتي أهمية المتغيرات الجيوسياسية لمنطقة شرق المتوسط، فهي تشمل للمرة الأولى في تاريخ الصناعة البترولية الشرق أوسطية تدخلاً إسرائيلياً في صلب صناعة الطاقة العربية. فإسرائيل استولت على حقول نفط عربية، كما حدث لاحتلالها واستغلالها حقول النفط المصرية بعد احتلال سيناء إثر حرب 1967، قبل التخلي عنها لقاء معاهدة كامب ديفيد وتعهد الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بالنفط في حال انقطاع الإمدادات عنها.

وفرضت إسرائيل نفوذها على اكتشاف الغاز الطبيعي في حقل «غزة مارين» في المياه الفلسطينية في مقابل ساحل غزة، ومنعت منذ اكتشاف الغاز عام 2000 تطوير الحقل واستفادة محطة كهرباء غزة منه. وفرضت على القطاع استيراد الوقود من طريق الشركات الإسرائيلية فقط، ما أدى إلى خسائر مالية فادحة للسلطة الفلسطينية، ناهيك عن إيقاف الإمدادات عند نشوب خلافات سياسية. وما الحروب المتكررة على غزة إلا محاولة في جانب منها من إسرائيل لاستمرار منع تطوير الحقل.

وتختلف جيوسياسة غاز شرق المتوسط الحالية عن احتلالات إسرائيل السابقة. فإسرائيل اكتشفت احتياطات غازية تكفي استهلاكها المحلي لعقود، ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تبني سياسة مفادها وجوب توجيه 60 في المئة من احتياط كل حقل إلى الاستهلاك الداخلي مع إمكانية تصدير الباقي للأسواق الدولية.

وأهم الأسواق العالمية لاستيراد الغاز هي الدول الآسيوية تليها البلدان الأوروبية، إضافة إلى دول الشرق الأوسط حيث النمو الاقتصادي والازدياد السكاني الكبير. أما السوق الأميركية، والتي شكلت السوق الأهم عالمياً حتى فترة قريبة، فتكتفي بمواردها الغازية المحلية بعد اكتشافات الغاز الصخري. وهكذا، فإن غاز شرق المتوسط، في حال اكتشاف كميات وافية منه تسمح بالتصدير بعد تلبية حاجات الطلب المحلي، سيلبي حاجات دول شرق أوسطية وأوروبية. ولم تتطور تجارة تصدير الغاز الطبيعي ما بين الدول العربية. والأسباب كثيرة منها غياب معادلة سعرية معتمدة لتجارة الغاز إقليمياً، في وقت تتبنى الدول الأوروبية معادلة لسعر الغاز الطبيعي المستورد تعتمد على مقارنة سعر الغاز بأسعار المنتجات البترولية المكافئة. وتعتمد الدول الآسيوية سعر الغاز المسال المستورد مقارنة بسعر يعادل سعر النفط الخام المستورد في اليابان. وأدى غياب معادلة سعرية إقليمية إلى استعمال النفوذ السياسي من الدول المستوردة على الدول المصدرة لفرض أسعار منخفضة.

ولا تتعدى اتفاقات تجارة الغاز ما بين الدول العربية حتى الآن أصابع اليد الواحدة: مشروع «دولفين» لتصدير الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان، واتفاق تصدير الغاز المصري إلى الأردن الذي يُعدَّل اليوم بعد انقطاع الإمدادات بسبب التفجيرات التي استهدفت محطة الضخ في العريش، وتصدير الغاز العراقي إلى الكويت خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي.

ومما ساهم في عدم نشوء تجارة غاز عربية - عربية، هو استغلال دول عبور أنابيب الغاز نفوذها لتغيير الاتفاقات وفق الظروف، بدلاً من الالتزام بها وفق العقود المتفق عليها، أو إيقاف عملية التصدير كلما نشب خلاف سياسي بينها وبين الدولة المصدرة أو المستوردة، أو نسف منظومة الأنابيب في حال استدعت الأمور ذلك.

واستفادت إسرائيل من سرعة اتخاذ القرار لديها للبدء بالاكتشافات ونجاحها في ذلك، ما دفعها إلى التفاوض للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والأوروبية كلما سنحت الفرصة لذلك. وتجرى المفاوضات حالياً بين الشركات، لكن الحصول على موافقة نهائية يستدعي موافقة الدول. ويعاني كونسورتيوم الشركات العاملة في حقل ليفاياثان الإسرائيلي العملاق («نوبل» الأميركية وشركات إسرائيلية شريكة) مشكلة توفير السيولة المالية لتطوير الحقل، إذ تبلغ الكلفة 6بلايين دولار. وحاولت هذه الشركات استقطاب شركات دولية لخفض التكاليف، إلا أنها لم تنجح في ذلك. ولجأ الكونسورتيوم إلى توقيع عقود بيع وشراء مع دول إقليمية.

وبرزت حاجة عند بعض الدول الإقليمية لشراء الغاز. فتوقف الصادرات المصرية أدى إلى اضطرار الأردن إلى الحصول على إمدادات غاز بديلة. وهناك محاولات الآن لاستيراد الغاز المسال، إما من طريق العقبة أو استيراد الغاز الإسرائيلي. وثمة تحديات تواجه صناعة الغاز المصرية أدت إلى تحول مصر من دولة مصدرة إلى دولة مستوردة للغاز خلال سنتين من الزمن. وتفاوض مصر الجزائر وقطر وقبرص لاستيراد الغاز المسال، لكن الاتفاق مع قطر مستبعد في ظل خلافات القاهرة والدوحة. وفي ظل هذه التطورات، وُقِّعت مذكرات تفاهم بين «نوبل» وشركة «بي جي» البريطانية لتزويد محطة الغاز المسال في «ادكو» ومذكرة تفاهم أخرى مع شركة «يونيون فينوسا» الإسبانية التي تدير محطة تسييل الغاز في دمياط. ووُقِعت أيضاً مذكرة تفاهم مع شركة الكهرباء الأردنية.

وتحظى المفاوضات الجارية بتشجيع الولايات المتحدة لما تخلقه هذه العلاقات من تطبيع. وتحتاج مذكرات التفاهم ما بين الشركات إلى موافقة الحكومات المعنية، وهذا لم يحصل حتى الآن. ويفاوض كل من مصر والأردن مصادر أخرى لسد احتياجاتهما من الغاز. ويعتمد القرار النهائي على السعر وحجم الإمدادات. وهناك مفاوضات ما بين الشركات التركية والإسرائيلية لتصدير الغاز إلى تركيا، وهي مفاوضات مستمرة، لكن متقطعة، على ضوء تأزم العلاقات الإسرائيلية - التركية.

وهناك مشاريع مقترحة أيضاً من شركات أوروبية لمد خط أنابيب غاز عبر قبرص واليونان ومن ثم شبكة الغاز الأوروبية. لكن بعض المشاريع التي يجرى التفاوض حولها، تدل إلى محاولات إسرائيل ولوج الأسواق المحلية.

* نقلا عن صحيفة "الحياة"

http://alhayat.com/Opinion/walid-khadouri/4688395/النفط-في-أسبوع-(جيوسياسة-غاز-شرق-المتوسط)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.