.
.
.
.

قراءة لخطاب الأمير عبد العزيز بن سلمان

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

يقف العالم هذه الأيام على مفترق طرق، حينما يكون الحديث عن مستقبل إمدادات الطاقة. وكان الأمر أكثر وضوحا عندما كان النفط التقليدي هو المهيمن على الساحة النفطية. وهو لا يزال، فنسبة إنتاج النفط التقليدي في العالم إلى مجموع الإنتاج العالمي تزيد عن 75 في المائة. ومنذ بدأ إنتاج النفط غير التقليدي، ونخص بذلك النفط الصخري الأمريكي والنفط الرملي الكندي، والإعلام يتداول الكثير من المعلومات التي يجانبها الصواب. وقد ساعد على ذلك، كون معظم الإضافات النفطية الجديدة من الولايات المتحدة، وهي أكبر مستهلك للنفط وتمتلك وسائل إعلام له نفوذ عالمي. فنسمع ونقرأ عن مدى فعالية ذلك المصدر النفطي الجديد وتأثيره المتوقع على كبار المنتِجين، وعلى الأخص السعودية. ويتناسون أن السعودية، على عكس ما يظنون، ترحب بالإنتاج الصخري الذي جاء في وقته. ولو لم تصل الأسعار النفطية إلى مستواها الحالي لما كان ممكنا ولا اقتصاديا إنتاج النفط الصخري.

وجاء الخطاب الذي ألقاه الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، مساعد وزير البترول والثروة المعدنية الأسبوع الماضي، في "مؤتمر الخليج العربي والتحديات الإقليمية"، كرد على الكثير من الشبهات وسوء الفهم وعدم استيعاب مغزى المتغيرات التي صاحبت ظهور الصخري. وقد أوضح أنه على الرغم من الجهود المبذولة في سبيل ترشيد الاستهلاك واستخدام بدائل الوقود الأحفوري في قطاع النقل، فحتى التوقعات المحافظة تتنبأ بزيادة الطلب العالمي بما لا يقل عن 20 مليون برميل يوميا في عام 2035. وأكد أن تصاعد الطلب على المواد النفطية أكثر احتمالا من نزوله أو حتى ركوده.

وأوضح أن زيادة العرض أصبحت أكثر تحديا وأعلى تكلفة. وذكر أن الإنتاج من خارج دول الأوبك، باستثناء روسيا، ظل ثابتا خلال السنوات العشر الماضية، عند 36 مليون برميل. وهو مؤشر على أن الإنتاج كان في وضع "البلاتو"، وهي حالة تسبق الانخفاض. وهذا يعكس صعوبة اكتشاف مصادر نفطية جديدة. وعبر عن ذلك بدليل خفض الشركات النفطية الكبيرة ميزانيات التنقيب سعيا لتخفيض التكاليف وتوفير السيولة لمشاريع الصيانة. وقد نوه عن ضرورة بقاء الأسعار عند مستويات عالية لحفظ توازن العرض والطلب، وهو ما يعني ضمنيا توسيع المجال لإنعاش إنتاج النفط غير التقليدي ذي التكلفة العالية مثل الصخري والرملي والعمق البحري.

وأشار الأمير إلى أن التقلبات السعرية اليومية والأسبوعية أو حتى الشهرية غير ذات أهمية بالنسبة لنا، ولا تعدو عن كونها مصدر ضوضاء حول اتجاه ثابت ومعروف مقدما.

ونفى الأمير عبد العزيز نفيا قاطعا أن يكون للنفط الصخري أي تأثير في الدور البناء الذي تقوم به المملكة تجاه أسواق الطاقة. وهذا يتفق مع نظرتنا للنفط الصخري مهما ارتفع مستوى إنتاجه، على أنه يصب في مصلحة مستقبل إنتاجنا وأجيالنا. وقد تحدثنا عن هذا الموضوع وبإسهاب في عِدة مقالات، محاولة منا لتصحيح فكرة أن الصخري يهدد مستقبل النفط التقليدي الرخيص. وقلنا إننا في حاجة إلى إنتاج جديد مهما كان مصدره من أجل تخفيف الضغط على إنتاجنا. وها هو الأمير، وهو المطلع على أمور الإنتاج وذو ميول اقتصادية يؤيد ما أشرنا إليه. كما تطرق إلى موضوع مهم، كان أكثر ما شغل الإعلام العالمي، وهو تراجع اهتمام الولايات المتحدة بشؤون الشرق الأوسط، وعلى الأخص مع دول الخليج بسبب تنامي إنتاجها من الصخري. واستبعد الأمير أن يكون لأمريكا أي نية لتغيير مواقفها من الأوضاع الإقليمية في المنطقة العربية. كما أنه من المستبعَد أن تصل أمريكا إلى الاكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة. ومن غير المحتمل أيضا أن تتحول سياستها الدولية إلى الوضع الانعزالي، وهي قوة عالمية كبرى.

وتطرق حديث الأمير عبد العزيز إلى موضوع ترشيد استخدام الطاقة، وهو الموضوع الذي كرس له قسطا كبيرا من جهوده خلال السنوات القليلة الماضية. وبصفتي أحد أعضاء المجموعة الاستشارية للبرنامج السعودي لترشيد ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، التي يقودها الأمير عبد العزيز، أؤكد أنه لولا الله ثم مجهوده الكبير وحسن قيادته وحكمته وإصراره على تفعيل نتائج البحوث والدراسات ذات الصلة، لما تم هذا الإنجاز الكبير. خصوصا أن التعامل حول تطبيق الاقتراحات يشمل أكثر من عشر من مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل تذليل الصعاب من المستحيلات لولا حكمته وطريقة تعامله المهنية مع المسؤولين الذين لم يجدوا بدا من الاستجابة والتعاون من أجل الصالح العام. ونستطيع القول، وبكل أمانة، إن سرعة تنفيذ مشروع الترشيد على مستوى المملكة كان من أنجح المهمات الوطنية التي عرفناها. ولا يزال الجهد يضيف مزيدا من الإنجازات في مجال ترشيد استخدام الطاقة. وأعاد الأمير إلى الأذهان ما كان قد صرح به المهندس علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية، حول ضرورة تنويع الدخل، وهو في نظرنا، موضوع جدير بالاهتمام ودراسة أسباب عدم جدوى نجاح الجهود والتخطيط الذي مارسناه خلال أكثر من 40 عاما، ولم نر لذلك أثرا إيجابيا.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

http://www.aleqt.com/2014/09/21/article_888980.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.