.
.
.
.

رسوم الأراضي .. وسؤال إجابته بـ «مليون ريال»

فهد بن عبد الله القاسم

نشر في: آخر تحديث:

تدخل مجلسا اليوم إلا ويتمحور الحديث حول رسوم الأراضي، وهي قضية مفصلية في تاريخ العقار، حيث يتفق الجميع على أن أسعار الأراضي في المملكة بشكل عام، الصالحة للسكن وغيرها، تجاوزت الحد المعقول سعريا، ولم تعد في متناول المواطنين متوسطي الدخل، والأسباب لهذا الارتفاع متعددة، فهناك ندرة في الأراضي المعدة للسكن، وقد أسهمت المضاربات العقارية في الارتفاع نتيجة قلة الفرص الاستثمارية لأصحاب الثروات، إضافة إلى عامل التضخم الذي تضاعف في السنوات الأخيرة، وتزايد الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني التي وجدت نتيجة للمنح الضخمة التي كانت العامل الأبرز في إيجاد مشكلتي ندرة الأراضي السكنية وارتفاع الأسعار.

قرار رسوم الأراضي تتجاذبه مطالبات وتأييد وتحفظات وانتقادات، وهي في الجملة بين فريقين رئيسين؛ أولهما مؤيد تماما للرسوم بافتراض أنها، أي الرسوم، ستسهم في تخفيض قيمة الأراضي فيما لو طبقت! الفريق الثاني معارض للرسوم بافتراض عكسي تماما لرأي الفريق الأول وهو أن تطبيق الرسوم سيسهم في تزايد ارتفاع قيمة الأراضي.

نظرية انخفاض أسعار الأراضي بسبب فرض الرسوم التي يتبناها الفريق الأول؛ تقوم على أساس أن تطبيق الرسوم سيتسبب في الضغط على ملاك الأراضي للبيع أو للبناء عليها، وفي كلتا الحالتين سيزيد المعروض من الأراضي وبالتالي تنخفض الأسعار، وهذه النظرية حقيقة اقتصادية معروفة بارتباط العرض والطلب مع الأسعار، وقد تتحقق فيما لو طبقت بالشكل الصحيح على السلع، لكن مع العقار هل تكون النتيجة مماثلة؟ لا أحد يمكنه الجزم بحدوث النتيجة نفسها، خاصة مع الخصوصية السعودية العقارية التي ترتكن إلى أن الأراضي مخزن للثروة، وملجأ للاستثمار، وفيها إشكاليات سلامة الصكوك، وعدم قطعية الملكية حتى بوجود الصك السليم، ومنح الأراضي، وإقطاعات الأراضي لأصحاب النفوذ، وبطء إجراءات التقاضي وتعقيدات تنفيذ الأحكام، فضلا على أن التطبيق الصحيح العادل لمثل هذا القرار غير مؤكد، وإشكاليات التطبيق والحيل القانونية لتجاوز هذا القرار كثيرة للغاية.

النظرية المعاكسة تماما التي يؤيدها الفريق الثاني، تقوم على أساس أن الرسوم على الأراضي غير فعّالة، بل على العكس ستسبب في تزايد قيمة الأراضي بل والعقار ككل، وهذه النظرية أيضا حقيقة مجربة، ومن أدلة أصحاب هذا الرأي: ارتفاع تكلفة الأرز محليا، ومن ثم تحمل المستهلك هذه الزيادة، وفرضت الرسوم على العمالة فتحمل تكاليفها المستهلك، وزادت رواتب المدرسين فارتفعت رسوم المدارس الأهلية وتحملها أولياء الأمور، والأهم من ذلك أن التطبيق على الأراضي مثلا بزيادة تكاليف التطوير لمخططات الأراضي لم يمنع المطورين من التطوير ولكنه حمّل تكاليف التطوير على المستهلك النهائي، ومع الأسف أن الذي حمل على المستهلك النهائي ليس التكاليف الإضافية فقط بل ونصيبها من الأرباح أيضا.

لا أتفق مع رأي كثير من تجار العقار بأن أصحاب الأراضي أحرار في ممتلكاتهم من حيث البناء أو تركها بيضاء خاصة للأراضي ضمن النطاق العمراني للمدن! فقد خططت هذه الأراضي وزودت بالخدمات اللازمة لكي تستخدم وليس للشمس والهواء! فهي تحجّم الموارد المتاحة للأحياء ليستفيد القلة من موارد متاحة لفائدة الجميع، وبالتالي فهذه الأرض البيضاء تزيد قيمتها في الأحياء المعمورة بقدر ما تقل الأراضي البيضاء فيها، وهذه القيمة الإضافية التي يحققها أصحاب الأراضي البيضاء إنما تتحقق على حساب موارد المجتمع الكلية.

الأراضي البيضاء مشكلة تعانيها جميع مدن المملكة، وبالتأكيد هي أحد أسباب ارتفاع أسعار العقارات، ولكن هل تأخر البناء على هذه الأراضي سببه الملاك؟ أم جهات أخرى تنظيمية تُعقد إجراءات التخطيط والتطوير مثل وزارة البلديات والأمانات التابعة لها والهيئات العليا لتطوير المدن؟

أعتقد أن دراسة حلول مشكلة الأراضي البيضاء يجب أن تنطلق وفق آليات مختلفة ومتنوعة، وقد سبق أن كتبت في مقال سابق حول تطبيق نظام حوافز إيجابية للأراضي تزيد من قيمتها نتيجة البناء المبكر عليها، وحوافز سلبية تخفض قيمة الأراضي التي لا يتم بناؤها، ويمكن الرجوع لذلك المقترح، وأعتقد أن الحكومة لم توفق في معالجة فرص ذهبية أيضا مثل أراضي قيران التي تقدر مساحتها بما يزيد على 80 مليون متر في مدينة الرياض والتي كان بالإمكان أن تستوعب 160 ألف قطعة سكنية، وقد كتبت عنها أيضا في حينه مقالا سابقا لن أزعجكم بتفاصيله يمكن الرجوع إليه.

إن أحد أهم حلول مشكلة الأراضي البيضاء هو في مراجعة أساس منح هذه الأراضي لملاكها، فيما يزيد على ما هو مناسب للسكن! وهذه لا جدل في عدم مشروعيتها، والأصل أن يتم إعادتها إلى أملاك الدولة لتتولى التصرف فيها بوجهها الصحيح. وعلى أضعف الأحوال لو طبقنا عليها أحكام إحياء الأرض لوجدنا أن الأرض المحياة زراعيا إذا لم تزرع فإنه يسقط حق التملك عليها، والأراضي السكنية أولى بالتطبيق فإن كانت الأرض ممنوحة ولم يتم تخطيطها وتطويرها والبناء عليها خلال مدة محددة فيجب أن تسحب من الممنوحة لهم، وفي رأيي أن هذا سيحدث نقلة كبرى في ضخ الأراضي الصالحة للسكن في وسط المدن أو ضواحيها، وسيعيد الكثير من أراضي المنح لأملاك الدولة لتعيد التصرف فيه وفق المصلحة العامة.

أما السؤال الذي تستحق إجابته مليون ريال فهو:

هل ستتسبب رسوم الأراضي في انخفاض أسعار الأراضي أم في زيادتها؟

أتمنى أن تقنعنا دراسة المجلس الاقتصادي الأعلى، بمبررات حقيقية واقعية مبنية على أسس منطقية عادلة باستنتاجاتها النهائية.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

http://www.aleqt.com/2014/09/25/article_890367.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.