.
.
.
.

صندوق النقد والمالية العامة: صيانة الدعامات مطلب

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

يجري صندوق النقد الدولي مشاورات مع كل عضو من أعضائه بصفة دورية، وعادة ما تكون سنوية، تسمى مشاورات المادة الرابعة، حيث نصت المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق على هذه المشاورات. تتناول المشاورات مراجعة لتطورات الأوضاع الاقتصادية في الدولة العضو وما يرى خبراء الصندوق فعله تجاهها.

أجرى الصندوق مشاوراته مع المملكة في شهر أيار (مايو) الماضي، قابل فيها كبار مسؤولي الحكومة في المجال الاقتصادي والمالي، كما قابل عددا من ممثلي القطاع الخاص والجهات الأكاديمية. وأصدر تقريره قبل أسابيع، لكنه نشر إعلاميا في الأسبوع الماضي. التقرير البالغ نحو 60 صفحة، متاح للعموم في موقع الصندوق بأكثر من لغة، منها اللغة العربية.

يمكن القول إن ملاحظات الصندوق معروفة بصورة عامة لدى مستشاري الحكومة الاقتصاديين، ولدى الأكاديميين الاقتصاديين، إلا أن هذا لا ينفي تحقق إضافات من خبراء الصندوق أو خلافات على تفاصيل.

تقرير الصندوق يتناول تطورات الاقتصاد وما يتوقع على المدى القصير إلى المتوسط، الإيجابي منها والسلبي. كما يولي التقرير اهتماما في مناقشة المتغيرات والسياسات الاقتصادية، وما يراه من مواطن قوة وضعف، ويعطي اقتراحاتها بشأنها. ويقارن بين ما اقترح على الحكومة عمله في تقارير سابقة وما تم عمله.

أشار الصندوق إلى النمو الاقتصادي القوي خلال السنوات الأخيرة، الذي انتفع من ارتفاع أسعار وإنتاج النفط، وإنفاق الحكومة وقوة نشاط القطاع الخاص. كما أشار إلى عدم تأثر الاقتصاد بتقلبات الأسواق المالية العالمية. لا غرابة في هذا العدم، فالدين العام أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفائض المالية العامة المتراكم يبلغ مئات المليارات. والسعودية هي الدولة الوحيدة التي تملك قدرة إنتاجية نفطية فائضة تتجاوز مليونين ونصف مليون برميل يوميا.

الوضع الاقتصادي على المدى المتوسط مطمئن. لا يتوقع حدوث تغير ملموس في إنتاج أو أسعار النفط، ونمو القطاع غير النفطي محكوم بقوة القطاع الخاص ونمو الإنفاق الحكومي. ولا يتوقع التقرير حدوث موجة تضخم. كل هذا نعرفه مسبقا.

ما مصدر القلق الأساسي للاقتصاد السعودي على المدى الأبعد؟ سوق النفط العالمية وتبعات ذلك، كمدى النجاح في جهود تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.

ماذا بشأن السياسات الاقتصادية الكلية؟ وللتوضيح يقصد بها السياسات المؤثرة في الاقتصاد كله، التي يمكن أن تكون تحت سيطرة ورقابة صانعي القرار، كالإنفاق الحكومي.

يرى الصندوق أن ما يمكن أن يسمى دعامات (أو حماية) المالية العامة يرى أن هذه الدعامات قوية في الوقت الحاضر، حيث توفر للسياسات الاقتصادية الكلية قدرة على الاستجابة للصدمات.

لكن الصندوق ينبه وبقوة على أن المسار الحالي للمالية العامة يقود إلى تآكل تلك الدعامات على المدى المتوسط. ومن ثم فإن هناك حاجة إلى تكييف وتعديل في المالية العامة بما يؤدي إلى المحافظة على تلك الدعامات، ويزيد من الحفاظ على مدخرات لأجيال قادمة. إعادة هيكلة أو صياغة لإطار السياسات الاقتصادية الكلية يمكنه أن يساعد على تقوية إدارة الاقتصاد ويوفر بيئة جاذبة للاستثمارات الخاصة وصناعة الوظائف.

التنبيه السابق طرح وما زال يطرح من قبل خبراء المالية العامة في الصندوق وغير الصندوق. ويشير الصندوق إلى أن عملية أو جهود خفض عجز المالية العامة ما زالت بحاجة إلى مزيد عناية. قد يقول قائل: عجيب هذا الكلام، وأنتم تقولون إن المالية العامة حققت فوائض هائلة؟ عجز المالية هنا يعني بعد استبعاد قطاع النفط. هل مالية الحكومة دون النفط في تحسن أم لا؟ مع توسع الإنفاق الحكومي خاصة على مشاريع البنية التحتية كالنقل العام، فإنها ليست في تحسن في الوقت الحاضر. لكن هذا وضع لا ينبغي استمراره.

حتى لو بقيت أسعار النفط على وضعها الحالي تقريبا، واستمر الإنفاق الحكومي في نمو، فإن فائض الميزانية سيتلاشى بعد سنوات قليلة من الآن؛ ولذا فإن من شأن التركيز على الرصيد الأساسي غير النفطي المساعدة على حماية مسار إنفاقي وتنموي أقل تقلبا.

طالب الصندوق بتطوير إطار عمل الميزانية. الرأي لدى خبراء المالية العامة أن رسم سياسات المالية العامة الكلية سيتيسر بوجود إطار ميزانية قصير ومتوسط الأجل، يمتد إلى نحو ثلاث إلى خمس سنوات مثلا.

تحسين وضع المالية العامة القائم له جوانب اجتماعية وغير اجتماعية، ومن العسير جدا على الجهات المسؤولة عن المالية العامة وعلى رأسها وزارة المالية، من العسير عليها تطوير سياسة تحسين لا تراعي تلك الجوانب. تلك مشكلة تتطلب أولا تفهم مختلف فئات المجتمع.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

http://www.aleqt.com/2014/09/29/article_891668.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.