ما الأثر الاقتصادي للازدحام المروري؟
للمرور أهمية كبيرة في توليد القيمة للاقتصاد، فتسهيل وتيسير الوصول من نقطة لأخرى يعني أمورا منها: سلامة الأرواح وهي لأشخاص منتجين يساهمون –بصورة أو بأخرى- في المجتمع ومن ثمة في الاقتصاد، وصيانة أوقاتهم بما يمكنهم من القيام بواجباتهم في المنزل أو العمل أو لخدمة المجتمع ككل. وقد صدرت إحصائيات متعددة تبين الفاقد نتيجة للحوادث من الأرواح ومن الناتج المحلي الإجمالي. لكني هنا لا اتحدث عن الحوادث بل عن عدم انسياب الحركة المرورية، في الشرايين المرورية في مدن المملكة، ولاسيما في ساعات الذروة، ففي مدينة مثل عاصمتنا الرياض تجد أن الخطوط السريعة والدائرية تغص بالمركبات فتتعطل حركة السير، لتجد في كثير من الأحيان أن السبب هو حادث بسيط بين سيارتين، في حين أن مئات السيارات تعطلت لدقائق طويلة، نتج عنها تأخير مئات الأشخاص عن أعمالهم ومدارسهم، مما يؤثر سلباً على انتاجيتهم، فإن جمعنا الفاقد من وقت تعطلنا على طرقاتنا، واعتبرنا أن التكلفة هي كل دقيقة بريال، نجد أننا نهدر عشرات الملايين يومياً، والمليارات سنوياً!
خسائر من هذا النوع تستوجب استنفاراً مرورياً علاجيا ووقائيا توعويا، هدفه ليس فقط لتحقيق في الحوادث المرورية عند وقوع إصابات، بل للتعامل مع الزحام الذي نعايشه يومياً في مواقع محددة في ساعات معينة، إذ لابد من حَلّ. ولا أقول إن جهوداً لا تُبذل، ولا أقول إن الحل سهلٌ وفي المتناول، بل أقول: لا بد أن نسعى بكل جهد وحيلة لنجد حلاً لأي اختناق مروري وبأقصى سرعة، حرصاً على تعزيز الإنتاجية وخدمة للاقتصاد الوطني، الذي يُصرَف في سبيل تنميته مئات المليارات سنوياً، أخذاً في الاعتبار أن الانفاق السنوي للحكومة الموقرة يتجاوز 855 مليار ريال لهذا العام (2014) على سبيل المثال لا الحصر، كما أن اقتصادنا الوطني يقدر ناتجه بنحو 2.8 ترليون ريال (العام 2013)، ورغم أن النفط يمثل نحو 45 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن الأنشطة الاقتصادية الأخرى هي ناتجة عن جهود السكان وتدافعهم ليعملوا فيولدوا قيمة تُضاف للاقتصاد، فإن تعطلوا في مركباتهم على الطرق فستتباطأ عجلة الإنتاج بذلك القدر. وعند النظر للأمر من هذه الزاوية، نجد أن مهمة المرور ليست تسيير حركة المركبات في الطرقات والشوارع من أجل هدف مطلق بل حتى يمارس السكان أنشطتهم ومسئولياتهم ويباشروا أعمالهم، سعياً لدفع عملية الإنتاج والعطاء.
وهكذا، فللمرور دور اقتصادي غير خاف، ولا بد من تعزيزه وتقويته والدفع به، ليكون رافداً في التنمية والنمو. وهذا لا يتحقق من خلال عبارات عامة، بل لا بد من السعي لوضع معايير أداء رئيسية لحركة المرور من كل النواحي، فنقص كبير فيما يتصل برَصد البيانات الميدانية للتعرف على الصلة بين الازدحام والأعمال ومن ثمة قياس الأثر الاقتصادي بالتفصيل على مستوى المدينة وقطاعاتها، رغبة في علاج المشاكل القائمة لتلافي تعاظم الخسائر، ومن ناحية أخرى تحسين تنافسية مدننا من حيث سلاسة التنقل وتنوع أنماطه بما ينعكس إيجاباً على الكفاءة الإنتاجية، ويجعلها مستقطبة للمستثمرين. وليس خافياً ان توافر بيانات دقيقة عن الازدحام في أنحاء المملكة سيكون مفيداً لقياس أداء أجهزة المرور من جهة ووضع الوسائل الملائمة لتعزيزه والتكامل بين معطياته وجهود المؤسسات الحكومية وفي القطاع الخاص بما يؤدي للحد من التعطل والخسائر الناتجة عنه.
* نقلا عن صحيفة " اليوم "