.
.
.
.

«موبايلي» .. كيف حدثت المخالفات؟ وكيف اكتشفت؟

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

هل كانت قضية "موبايلي" مجرد إعادة تقدير المخصصات والمصروفات أم مخالفة سافرة في القوائم المالية؟ لقد أعلنت هيئة السوق المالية تعليق السهم، ثم قامت إدارة الشركة بعد أيام بالإعلان عن تعديل القوائم المالية ونشرت إعلانا أشبه "بسلطة السيزر"، الكثير من "المايونيز والأوراق الخضراء مع قطعتين صغيرتين من صدور الدجاج" هذا أفضل وصف لدي عن إعلان "موبايلي" وهي تبرر سبب انخفاض الإيرادات بأرقام مقارنة بين السنوات أشبه بالثرثرة عن تعديل المخصصات وارتفاع المصروفات الإدارية وخلافه، ثم وضعت تحت كل هذا قضيتين في غاية الخطورة، هما إثبات اتفاقية حق استخدام URI، وإثبات إيرادات البرنامج الترويجي على أساس أنها مجرد قضايا هامشية تمثل "أخطاء" صغيرة في إثبات الإيرادات.

لكن ما الحقيقة التي اكتشفتها إجراءات المراجعة الداخلية وفشل فيها المراجع الخارجي وسجلها تاريخ سوق الأسهم السعودية بانخفاض سعر السهم من 92 ريالا إلى أقل من 60 ريالا وخلال ثلاثة أيام فقط؟ فهل تلاعبت "موبايلي" عن قصد في رقم الأرباح أم لا؟

لنأخذ هذه القضايا الجوهرية وندع أوراق "السلطة الخضراء" على جانب. ولنبدأ من البرنامج الترويجي (ولاء العملاء)، هذا البرنامج يهدف إلى ضمان ولاء العميل للشركة من خلال منحه نقاطا كلما استخدم خدمات الشركة، ويستطيع أن يستبدل هذه النقاط بمكافآت، إما من الشركة نفسها (كخدمات) أو من خلال معارض أخرى مستقلة (سلع ومنتجات أخرى مثل العطور والكتب مثلا)، وفي هذه الحالة الأخيرة تقوم الشركة البائعة للسلع بتسجيل النقاط لديها واعتبار "موبايلي" مدينة بقيمة السلع إلى أن تسددها، لكن أخيرا ابتكرت "موبايلي" طريقة جديدة حيث قامت بالاتفاق مع عدد من الشركات من الصناعات المختلفة على أن تقوم شركة موبايلي ببث رسائل دعائية لعدة أيام على جميع مستخدمي الشبكة تحثهم على استبدال نقاطهم لدى هذه الشركات التي اتفقت معها، ومن ثم تقوم الشركات بدفع حقوق هذه الإعلانات من خلال النقاط التي سيتم استبدالها، وهذا يحول شركة موبايلي من مدينة إلى بائعة لهذه النقاط على الشركات التي شاركت وأعلنت لديها، فأين المشكلة؟ لقد كانت الاتفاقية تنص على أن تقوم الشركات بالتسديد لشركة موبايلي ولكن بقيمة ما تم استبداله من نقاط "فقط" وليس "بكامل" حقوق النقاط التي خصصت لها، لكن إدارة "موبايلي" قامت "بإثبات قيمة هذه النقاط كاملة وكأنها استبدلت بالكامل "سجلتها كإيراد لها بينما لم يكن الإيراد الفعلي سوى جزء بسيط منها وهو ما قام العملاء فعلا باستبداله فقط، ويبدو أنه كان قليلا جدا، وهذا ضخم رقم الإيرادات على غير الحقيقة.

القضية الثانية تتعلق بما يسمى اتفاقية حق استخدام Indefeasible Rights of Use (IRU)، وقد ظهرت هذه المشكلة أولا مع "عذيب" عندما وقعت الشركتان اتفاقية حق استخدام من خلال شركة بيانات الأولى لخدمات الشبكات (شركة بيانات) إحدى الشركات التابعة لـ"موبايلي". لكن شركة عذيب قامت بإنهاء الاتفاقية لوجود بعض الصعوبات التي قالت: إنها فنية ولوجستية وعدم تجاوز هذه الصعوبات من قبل شركة بيانات (وهذا يعني أنها لم تكن جاهزة للاستخدام فعلا). فلماذا ألغت "عذيب" الاتفاقية؟ اتفاقية IRU تعني عقد إيجار طويل الأجل يعطي الحق الحصري، وغير المقيد، لاستخدام الطاقة شبكة الاتصالات ذات الصلة، ومن خلال المعايير المحاسبية ذات العلاقة بمثل هذه النوع من الإيجارات فإنه يجب احتساب العقد وكأنه عملية بيع وتثبت إيراداتها، ولكن يجب ألا يكون هناك حق للمستخدم في التراجع عن العقد. عندما اتفقت "عذيب" وغيرها مع "موبايلي" على عقد التأجير الطويل هذا ووقعت العقود كانت ستلتزم بعقد إيجار أشبه بالبيع النهائي (نوعا ما مثل تأجير السيارات المنتهي بالتمليك). وسوف تلتزم "عذيب" بدفع كل الأقساط سنويا، ولكن بعد أن تم التوقيع ولم تكن المنافذ جاهزة للعمل، فقد أصبحت "عذيب" في حل من تلك الاتفاقية فألغتها، لكن "موبايلي" لم تفعل. فبمجرد أن وقعت الاتفاقية مع "عذيب" وغيرها قامت فورا باعتبار تلك العقود كأنها عقد بيع تأجيري رأسمالي وأثبتتها في السجلات المحاسبية بالرغم من أنها تعلم بأن المنافذ غير جاهزة وأن في العقود حق التراجع وهذا الإثبات مخالف للمعايير المحاسبية ذات الصلة.

قبل نحو 1035 يوما من الآن كتبت في "الاقتصادية" مقالا بعنوان: "التلاعب المحاسبي في "أوليمبوس" اليابانية.. كيف تخفي الخسائر؟" وكتبت حينها أن النتيجة المهمة التي انتهى إليها التحقيق هي أن الإدارة (أي إدارة) يمكنها أن تفعل ما تريد لأجل تحقيق مصالحها، وأن تخفي قراراتها السيئة ومغامراتها بأموال المستثمرين، وأنها مشكلة ثقافية في أي شركة وأن التواطؤ محتمل حتى من قبل أطراف متعددة، والاتكاء على المبادئ فقط لن يمنع مثل هذا التواطؤ، وأن عملية إخفاء الخسائر أو تجميل القوائم المالية تتطور وتتعقد من عام إلى عام ولن تسلم منها دولة، وقلت حينها إن الحوكمة الجيدة للشركات التي تتضمن لجنة للمراجعة وإدارة متطورة ومستقلة للمراجعة الداخلية قد تمنع مثل هذه التصرفات، والأخطر في التقرير أن المراجعين القانونيين الخارجيين فشلوا في تنفيذ مهامهم. وهذه النتيجة هي النتيجة نفسها التي يمكن الوصول إليها من قضية "موبايلي".

أتذكر أيضا أنني كتبت قبل أكثر من 5 سنوات مقالا بعنوان "شركة موبايلي، تقرير الحوكمة يعكس صدق برنامج العمل" وكان تركيزي على شركة موبايلي في ذلك الحين؛ لأنها سعت بجد إلى تطبيق برنامج للحوكمة مدروس قدمت له في محافل علمية وقبلت في ذلك النقد، سمعت الرأي الآخر لتحصل أخيرا على ما تريد وها هي اليوم تجني صدق العمل في وجود نظام حوكمة صارم لا يرحم مهما كانت منجزات الإدارة التنفيذية، ووجود إدارة للمراجعة الداخلية متطورة يقف على رأسها رئيس تنفيذي وليس مجرد مدير أو موظف صغير، عمل مهني استطاع اكتشاف الخلل والتبليغ عنه وهذه هو معنى جودة المراجعة كما أقرتها كل المراجع العلمية العالمية. وهي إشارة قوية إلى كل من يشكك في دور وأهمية استقلال المراجعة الداخلية.

بقي سؤال لعلي أتمكن من مناقشته في مقالات قادمة هل كانت معايير المحاسبة السعودية الخاصة بالإيرادات والإيجارات مسؤولة عما حدث في "موبايلي"؟ وهل وفرت غطاء مهنيا للمراجع الخارجي حتى يغض الطرف عن مثل هذه الممارسات في إدارة الأرباح؟

• نقلاً عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.