.
.
.
.

جدوى التحليل المالي للأسهم

فهد بن عبد الله الحويماني

نشر في: آخر تحديث:

التحليل المالي أو التحليل الأساسي، هو دراسة جميع أوجه عمل الشركة وبياناتها المالية لمعرفة قيمتها الحقيقية الحالية والمستقبلية، ومن ثم مقارنة ذلك بالسعر الحالي للتمكن من اتخاذ قرار الشراء من عدمه. من البديهي عند كثير من الناس أن تحليل وضع الشركة أمر مهم لمن يريد الاستثمار بها، غير أن هناك جدلا واسعا فيما يخص الجدوى من القيام بذلك. هناك من يشير إلى نتائج توصيات كبار المحللين وبيوت الخبرة ويجدها خاطئة في كثير من الحالات. وهناك من يؤمن بفرضية كفاءة الأسواق المالية، ويؤكد أن ما يقوم به هؤلاء المحللون ضرب من العبث. هل هناك جدوى من القيام بالتحليل المالي/ الأساسي؟

من المعروف أن المحللين في شركة (إس آند بي) من أبرز محللي الأسهم في العالم، نظراً للخبرة الكبيرة المتوافرة لدى الشركة في هذا المجال، واعتماد الكثير من المحللين في العالم على تقارير (إس آند بي) وما تقدمه من قواعد بيانات مالية وإحصائية. لذا فقد يكون من المستحسن النظر إلى طريقة هؤلاء المحللين في انتقاء الأسهم ومن ثم تقييم نتائجهم على مدى السنوات الماضية.

إن ما نحاول القيام به هنا هو معرفة ما إذا كانت هناك طريقة لاختيار الأسهم تكون نتيجتها أفضل من أداء السوق بشكل عام، مثلاً مؤشر سوق الأسهم السعودية أو مؤشر (إس آند بي) أو مؤشر (داو جونز)، وكذلك هل من الممكن الخروج بنتيجة أفضل من الانتقاء العشوائي الخالص. المشكلة هنا أن هذا المنهج يخالف فرضية كفاءة السوق، التي تقول إن أسعار الأسهم في أي وقت من الأوقات مسعرة بأفضل الأسعار الممكنة، وألا جدوى هناك من الحديث عن أسهم أسعارها الحالية مرتفعة أو منخفضة، فجميع الأسهم مسعرة بسعرها العادل في أي وقت من الأوقات. من الطبيعي ألا يؤمن المحللون (سواء الماليين أو الفنيين) بكفاءة السوق، كون ذلك يعني أن ما يقومون به ليس إلا مضيعة للوقت وهدرا لأموال المشتركين بخدماتهم، فكيف لهم أن يبرروا ذلك أمام عملائهم؟

الحقيقة أن فكرة وجود أسواق مالية ذات كفاءة عالية فكرة سليمة ومنطقية، ومن الممكن أن توجد أسواق تخضع لهذا المفهوم، غير أن ذلك صعب جداً، وقليل من الأكاديميين والمحترفين يؤمن بوجود أسواق مالية بهذا الشكل. الكفاءة العالية للسوق تتحقق عندما تنطبق جميع شروط الكفاءة، ولن تجد أي سوق مالي في العالم تنطبق عليه جميع شروط كفاءة السوق (بإمكان القارئ المهتم مراجعة بعض المقالات السابقة في هذه الصحيفة حول هذا الموضوع).

لاكتشاف مدى الفائدة من دراسة وضع الشركات وتحليلها بشكل جيد، كما تقوم به بيوت الخبرة، قامت شركة (إس آند بي) بدراسة نتائج ترشيحات محلليها على مدى 17 عاماً، وانعكاس ذلك على الأسهم التي يوصون بها. قبل استعراض نتائج هذه الدراسة، أشير إلى أن المحللين في شركة (إس آند بي) يقومون باتخاذ الخطوات التالية للخروج بتوصية معينة بحق الشركة التي تتم دراستها، وتكون التوصية (بعيداً عن التفاصيل) إما بالشراء أو البيع أو التريث، والخطوات هي كما يلي:

1. دراسة التقارير الرئيسية للشركة، مثل نموذج 10K (النتائج المالية السنوية المدققة)، ونموذج 10Q (النتائج المالية الفصلية المدققة)، وما يرد فيها من إيضاحات ومعلومات إضافية، وكذلك ما ينشر من نقاشات في المؤتمرات الصحفية التي تقوم بها الشركة بعد إعلان الأرباح.

2. مناقشة إدارة الشركة من خلال الهاتف أو الالتقاء بهم شخصياً لمعرفة توجهاتهم العامة والضغوط التي تواجه ربحيتهم وكفاءة عملياتهم، وهكذا.

3. إجراء تقديرات أولية للأرباح بناءً على الماضي والتوقعات المستقبلية ومناقشة ذلك مع الإدارة.

4. تقييم كفاءة إدارة الشركة، وبيئة المنافسة التي تعيش فيها، ووضع الموردين والمشترين وعوائق دخول المنافسين إلى مجال عمل الشركة، وتأثير أي تشريعات أو أنظمة جديدة محتملة على عمل الشركة.

5. تقدير القيمة الحقيقية للشركة بتحليل قيمتها الجوهرية والنسبية وتقسيم الشركة إلى أجزاء حسب منتجاتها وخدماتها، ودراسة كل جزء على حدة.

6. تحديد السعر المستهدف للـ 12 شهراً القادمة.

بناء على هذا الأسلوب في انتقاء الأسهم التي صنفت كشركات عالية الجودة (فئة أ)، وشركات متوسطة (فئة ب)، وشركات ضعيفة (فئة ج)، تبين أن أداء الأسهم التي تم تصنيفها على أنها عالية الجودة (فئة أ) كان أفضل من أداء الأسهم متوسطة الجودة (فئة ب)، وأفضل من الأسهم ضعيفة الجودة (فئة ج). تذكّر أن في ذلك مخالفة صريحة لمقولة أن الأسواق تتمتع بكفاءة عالية ولا مجال هناك لتحقيق ربح يتجاوز العائد على السوق ككل. في هذه الدراسة، يُستخدم مؤشر (إس آند بي 500) كمقياس لأداء السوق، حيث كان متوسط العائد السنوي التراكمي له خلال هذه الفترة 10.8 في المائة، بينما حققت الشركات المصنفة (فئة أ) نمواً تراكمياً بنسبة 12.3 في المائة، وشركات (فئة ب) حققت نمواً تراكمياً بنسبة 9.5 في المائة، وشركات (فئة ج) حققت نمواً بنسبة 7.1 في المائة. أما بالنسبة للمخاطرة فقد كانت الأعلى في أسهم (فئة ج)، ومن ثم أقل في أسهم (فئة ب)، وأقل في أسهم (فئة أ)! هنا نقصد بالمخاطرة مدى تذبذب العائد من عام إلى عام، كما يتم حسابه بواسطة مقياس الانحراف المعياري، أو مدى ابتعاد العائد السنوي عن المتوسط المذكور خلال فترة الدراسة.

مرة أخرى، شهادة شركة (إس آند بي) مجروحة، كونها شركة دراسات وتوصيات، ولكن بحكم أن كفاءة السوق القوية غير موجودة، فمن الممكن انتقاء الأسهم بشكل أو آخر لتحقيق أداء يتغلب على أداء السوق ككل ويخالف المفهوم المفترض لكفاءة السوق. بمعنى آخر، يخطئ من يعتقد أن الأسواق المالية تتمتع بكفاءة عالية، وبذلك لا يمكن تحقيق أي أرباح غير عادية من خلال القيام بالتحليل المالي أو الفني للأسهم.

أما ظاهرة التلاعب بالقوائم المالية، فهي تنسف بالكامل أي حديث عن جدوى ما نقوم به من تحليل، كون الافتراض هنا أن البيانات التي أمامنا صحيحة، وإن لم تكن كذلك فلا جدوى من القيام بأي تحليل. كما أن التلاعب بالقوائم المالية يؤكد بشكل آخر أن الكفاءة العالية للأسواق المالية بعيدة عنا وصعبة المنال.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.