.
.
.
.

دلالات قمة «آبيك» في بكين

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

من تابع وقائع الدورة الثانية والعشرين لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ "آبيك" التي انهت أعمالها يوم الثلاثاء الماضي في بكين ربما يتفقون معي على استثنائيتها. فبالإضافة إلى كونها انعقدت في الصين فإنها جاءت في مرحلة يعيش فيها النظام الاقتصادي العالمي مخاضا عسيرا. ولهذا فإن القمة قد عكست من خلال عدسات المصورين وشاشات التلفزيون الصيرورة التي يعشها العالم بين نظام اقتصادي عالمي قديم تم تشكيلة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وبين نظام عالمي أخذ في التشكل.

وبدون شك فإن انعقاد الدورة في بلد الأباطرة والحكماء قد أضفى على القمة طابعا خاصا. فالصين التي استعدت لهذه الدورة قد تأتى لها إبلاغ رسالتها للعالم من عاصمتها وبحضور الرئيس الأمريكي الذي قيض له من خلال المراسيم والترتيبات المعدة أن يصور مع رؤساء العالم وهو في الطرف وليس في وسط الصور الملتقطة. بينما احتل الرئيس الصيني الذي كان يقف إلى جانبه الرئيس الروسي مركز الصدارة. وكأنما الصين تريد أن تقول إن الولايات المتحدة ما عادت البلد الذي يمكنه قيادة العالم بمفرده.

والأمر هنا لا يقتصر فقط على الجوانب البروتوكولية والتي كثيراً ما بدى فيها أوباما وكأنه ضيف شرف على القمة. فعلى خريطة العالم الاقتصادي كانت هناك منطقتان للتجارة تتصارعان من أجل الوجود. منطقة المحيط الهادي التي دعا إليها الرئيس الأمريكي وهي تضم 11 دولة بما فيها الولايات المتحدة والمكسيك واليابان وكندا وأستراليا ولكن بدون الصين وروسيا. بيد أن مبادرة الصين بإنشاء منطقة للتجارة الحرة في آسيا والمحيط الهادئ هي التي نجحت. وبهذا تكون الصين قد أخذت اللحم وتركت العظم.

وهذه إشارة قوية إلى الدور القادم الذي سوف تلعبه الصين ليس فقط في مناطق الجوار وإنما في كافة أنحاء العالم. فنحن إذا ما نظرنا إلى نتائج قمة بكين من زاوية رقعة الشطرنج فسوف نلاحظ أن التنين الأصفر قد تمكن، وبتشجيع من الدب الروسي، من تشكيل وربما قيادة منطقة المحيط الهادي ذات وتائر النمو العالية والأفاق المستقبلية. أما الولايات المتحدة فعليها أن تقتنع بما تبقى لها على ضفاف الأطلسي التي تضم على طرفها الأخر القارة العجوز المنهكة والمعرضة للتفكك.

الأمر الأخر الذي يصعب تجاهله هو الموقف الروسي غير المكترث بالولايات المتحدة وزعامتها. فقد كان واضحا خلال وقائع القمة أن الرئيس الروسي لا يعطي نظيره الأمريكي أهمية تذكر. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فقدان العالم لزعامته القديمة. فالدور الذي تدعيه الولايات المتحدة لنفسها من الواضح أنه لا يعمل بالشكل التي تطمح فيه. ولهذا صارت مراكز القوى في العالم تتصارع لاحتلال المكان الشاغر. بل أن هذا التنازع قد وصل إلى درجة من عدم المسؤولية، بحيث أصبح عقبة أمام حل العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تهدد العالم.

وما يزيد في حرج الموقف الأمريكي أن كل ذلك يأتي على خلفية تصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائمة زعماء العالم الأكثر تأثيراً حسب تصنيف مجلة "فوربس". أما الرئيس الأمريكي فقد جاء وصيفا له في الترتيب.

* نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.