استجابات متنوعة وسط ضعف أسعار النفط

محمد الشطي
محمد الشطي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في البداية لابد من التنويه بأن السنة المالية أبريل 2014 – مارس 2015، والتي شهدت هبوطا في أسعار النفط بما يزيد على 40 دولارا للبرميل إلى الآن سيكون تأثيرتها نسبياً خلال هذه السنة المالية، ذلك أن الأسعار في غالب السنة كانت عند المئة وفوق السعر الافتراضي للموازنة، وستسجل الموازنات في غالبها فائضاً.

رغم الحديث عن مؤامرات تحاك فإن الحقيقة أن بلدان الأوبك هي الخاسر من هبوط أسعار النفط، حيث كانت تبيع نفوطها بأسعار قريبة من 110 دولارات للبرميل حتى شهر يونيو 2014، واليوم تبيع نفوطها بأسعار قريبة من 65 دولارا للبرميل، وهذه خسارة حقيقية في الإيرادات النفطية للدول.

وقد كتب مارتن وولف في صحيف "الفايننشال تايمز"، أن هبوط الأسعار بـ40 دولارا للبرميل يمثل إعادة توزيع ما يقارب 1.3 تريليون دولار، أو ما يقارب 2% من إجمالي الناتج في العالم من المنتجين إلى البلدان المستهلكة، وهو تطور كبير يحسب لصالح المنتجين إن كان هناك أية مؤامرة.

ولعل الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون من المراقبين هو افتراض بقاء الأسعار عند المئة دولار للبرميل لفترة طويلة وكأن أسعار النفط ثابتة ولا تذبذب مع معطيات السوق.

كذلك الحال بالنسبة للتوقعات طويلة الأجل للصناعة والتي تتوقع أسعار النفط في ارتفاع وتصل إلى معدلات بين 150 – 200 دولار خلال السنوات العشرين القادمة تحت عدة افتراضات، ويتم تبنيها من قبل العديد من البلدان لتحديد الجدوى الاقتصادية من المشاريع والاستثمارات في المستقبل، وأعتقد أيضاً هذا خطأ نقع فيه، ولعل الصواب هو ما تفعله الشركات النفطية العملاقة، حيث تبني اقتصاديات مشاريعها المستقبلية على أسعار أقل بكثير كانت 80 دولارا للبرميل، وحاليا 60 دولارا للبرميل كما تنقله الأدبيات الخاصة في هذا الموضوع.

رغم الحديث عن أن هناك حرباً ضد النفط الصخري، لكن الحقيقة مختلفة في الولايات المتحده الأميركية حيث ضعف أسعار النفط قد أسهم في دعم الاقتصاد الأميركي، ورفع من ثقة المستهلك، ورفع من آفاق الواردات من خارج أميركا، سواء الكمبيوترات أو السيارات وغيرها، والاستثمار هناك أيضا، وزاد من مبيعات السيارات، وزاد من استهلاك بنزين السيارات، وخفض كثيرا من أسعار الجازولين الذي أصبح عند أسعار عند 2 دولار للغالون، ودعم قطاع المساكن، بل دعم قيام الشركات النفطية هناك بتخفيض التكاليف، وأصبح الحديث أن اقتصاديات تطوير النفط الصخري ربما تكون عند 60 دولارا للبرميل أو أقل، وأن التكنولوجيا قد تسهم في تقليل تلك الأرقام، رغم أن انخفاض أسعار النفط يسهم في خفض تنامي إنتاج النفط الصخري على مدى سنوات، وهو أيضا في مصلحة سوق النفط.

والكلام أيضاً أن من المستفيدين البلدان المستهلكة للنفط بأشكالها، سواء الصين أو الهند أو مصر أو اليابان، وذلك لتخفيف فاتورة الواردات، تخفيف عبء الحكومات من نفقات الدعم الذي تقوم به في السوق المحلية للمنتجات البترولية، بل يشجعها، الأمر في إزالتها ورفعها من دون وجود معرضة كبيرة، والتوسع في بعض صناعتها.

وقد ذكر صندوق النقد الدولي وغيره أن هبوط الأسعار بمقدار 30% يشجع تنامي الاقتصاد العالمي بمقدار 0.8%، وهو أمر مفهوم ومنطقي بالنظر إلى ما تقدم.

ورغم أن بعض الدول تعاني من عجز في الموازنة إلا أن ذلك يمكن تغطيته إما عن طريق الاقتراض أو استخدام الاحتياطي والفوائض التي جاءت خلال السنوات الماضية، ويرى بعض المحللين أنه الذي يعاني من الوضع الحالي هو القطاع الخاص بالدرجة الأولى، وأنه منظومة دول الخليج العربي تملك استثمارات وأصولا بقيمة 2.75 تريليون دولار أميركي، وأن وضعها بهذا مطمئن جداً، ولكن بالطبع هناك دول داخل المنظومة ربما تكون معاناتها وتضررها أكبر وهي البحرين وعمان.

ولعل من الأمور التي قد تسبب فيها هبوط الأسعار إلى جانب دواعٍ أخرى لدول بعينها هو ضعف كبير في قيمة العملات المحلية أمام الدولار، مثل روسيا والتي ساهم في وضعها الحالي أيضا المقاطعة المفروضة عليها والتي سيكون لها تأثير على إنتاجها في المستقبل، وأعلنت ستدخل حالة من الركود الاقتصادي خلال عام 2015، وقد خسر الروبل حتى الآن ما يفوق من 40% من قيمته، وكذلك الحال بالنسبة لفنزويلا ونيجيريا والدول التي لم تستفد من الفوائض في السنوات الماضية، وسيكون وضعها محرجا خلال السنة القادمة إذا ما استمر ضعف أسعار النفط الخام.

ويعتقد المراقبون أن الشركات النفطية قد بدأت فعليا بترشيد مصاريفها الرأسمالية، وتقنين تكاليف الإنتاج، وينتظر أن تقوم العديد من الشركات بالإعلان عن خططها للخفض خلال الأشهر القادمة، وهذا سيكون له تأثير على إمدادات النفط في المستقبل، لأن ذلك يعني تأخيرا في بعض المشاريع، وأيضا سيؤثر ذلك على موازنات الشركات الخدماتية بالتأكيد، كما يتوقع أن تتوفر نتيجة لذلك فرص كثيره للاستثمار، وسيشجع توجهات للاندماج ما بين عدد من الشركات النفطية وشركات الطاقة، ويجري حاليا الإشاره إلى بعضها في السوق، ولعل من الشركات الوطنية التي تعاني من ضعف الأسعار هي شركة بتروناس، وسيؤثر وضعها على مساهمتها في ماليزيا واستثماراتها، كذلك الحال بالنسبة للنرويج، وهي دولة نفطية، والتي تم تسريح ما يقارب 10 آلاف من العاملين في القطاع النفطي هناك، وتم الإعلان عن خفض الاستثمار بمقدار 14% خلال العام القادم، وهو ما يخفض معدل النمو الاقتصادي من 2.6% خلال عام 2014 إلى 1% خلال عام 2015.

وتعاني نيجيريا من وضع اقتصادي هش نتيجة ضعف أسعار النفط، حيث انخفض ما تضعه في PUBLIC FUND من 20 مليار دولار أميركي إلى فقط 4 مليارات دولار في شهر نوفمبر 2014، خصوصا إذا ما استمر ضعف الأسعار إلى سنة كاملة.

ويحذر البعض من أن خفض أسعار النفط يزيد من استهلاك النفط، ويقلل توجهات كفاءة استخدام الطاقة، مما يعني زيادة ارتفاع انبعاثات الكربون على حساب البيئة.

وأعتقد أنه من الواضح أن أسعار النفط عند مستويات على الأقل حول 80 دولارا للبرميل هي هنا، لتبقى لسنوات عديدة في المستقبل، وهذا يستدعي سياسات إصلاحية تتعايش وتتكيف مع هذا الوضع الجديد لصالح شعوب العالم، وتكرس خططاً واضحة لتنويع مصادر الدخل والاقتصاد.
وختاماً أعتقد أن مسألة الفائض هي تهم العالم ويجب التعامل معها على أساس أسعار السوق، وهي آلية مقبولة من الجميع.

* د. محمد الشطي، الخبير في الشؤون النفطية ومدير مكتب الرئيس التنفيذي في مؤسسة البترول الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.