لا تتدخلوا في مصالح الناس كي لا تتعطل

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

يقول عراب الاقتصاد الرأسمالي آدم سميث: المجتمع يعمل بأفضل حالاته حين يتصرف الأشخاص وفقاً لمصالحهم الخاصة.

وبكلام آخر:

حين يسعى كل فرد إلى تحقيق مصلحته الخاصة (بحرية ونزاهة) ينعكس ذلك على تطور الدولة والمجتمع بأكمله.. وحين تسود الحرية وتختفي العقبات والأنظمة البيروقراطية يصبح الجميع (تلقائياً) شركاء في بناء المجتمع وتطور البلد.. وفي المقابل كلما ارتفعت نسبة التدخل الرسمية في مصالح الناس الشخصية تنعدم المبادرات وتتأخر الإنجازات وتصاب رؤوس الأموال باليأس والإحباط (وهو ما سينعكس حتماً على تطور الدولة والمجتمع).

المدهش أن هذه الحقيقة تنسحب على كافة مناحي الحياة حتى غير الاقتصادي منها.. خذ على سبيل المثال الجانب المروري حيث ترتفع نسبة الازدحام حين يتواجد رجل مرور لتنظيم السير..! وفي الجانب التعليمي تقل نسبة الإبداع والتفكير المستقل بارتفاع نسبة تدخل المعلم في توجية الطالب أو تقيده بمناهج وقوالب مسبقة الصب.. وفي عالم الإنترنت تزدهر الأعمال التجارية والصحف الإلكترونية حتى نعمد إلى سن قوانين مُقيدة بدعوى تنظيمها.. ومن الطبيعي في عالم المال والأعمال أن تحقق شركات القطاع الخاص أرباحاً تفوق شركات القطاع العام بسبب مناخ الحرية ومرونة القرار فيها.. وفي عالم التجارة تزدهر المشاريع الصغيرة بمجرد انخفاض أو اختفاء المتطلبات الحكومية والإجراءات الرسمية المعقدة.

وأيام كانت شركة الاتصالات وزارة حكومية كنا نعاني من قلة الهواتف الأرضية حتى سُمح للأفراد بإنشاء كبائن اتصالات خاصة فانتشرت بسرعة لم تكن ستنجزها الوزارة لو أنيطت بها هذه المهمة! باختصار؛ أي مجال تختاره ستلاحظ أن مصالح الناس فيه تتعطل بحسب نسبة التدخل الرسمي والحكومي فيها...

واليوم لا ينكر خبراء الاقتصاد أن ازدهار النمور الآسيوية يعود بالدرجة الأولى إلى احتلالها المراكز الأولى عالمياً من حيث "الحرية اللاقتصادية".. فنجاح سنغافورة وهونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية يعود إلى عدم تدخل الحكومة في نشاطات الأفراد التجارية.. ففي هذه الدول يمكن لأي إنسان البدء بأي مشروع تجاري دون استئذان أو شروط أو حتى مراجعة الدوائر الرسمية (وبالتالي أصبح الجميع يملك مشروعه الخاص لدرجة اختفاء البطالة وتقدم الدولة ذاتها)..

لهذا السبب سبق وطالبت (في أحد مقالاتي) ليس فقط بالمزيد من الحرية التجارية بل وإلغاء وزارة التجارية نفسها وتحويلها إلى هيئة رقابية صغيرة.. لا تستغربوا هذا الاقتراح؛ فقبل أن نخترع "وزارة التجارة" كان أجدادنا يمارسون أعمالهم بحرية ونجاح ولا يعرفون معنى البيروقراطية أو البطالة وفي وقت لم تكن فيه الدولة لا تضمن الوظيفة لأحد!

... ولأن المجتمع يعمل فعلاً بأفضل حالاته حين يتصرف الأشخاص وفقاً لمصالحهم الخاصة؛ يجب أن نترك للمواطنين مطلق الحرية في إنشاء أعمالهم الخاصة، ونتيح للموظفين فرصة دخول السوق وتجربة حظوظهم بأنفسهم (بدل ترك أسواقنا الحرة للعمالة الأجنبية)!!

... بقيت كلمة أخيرة؛

عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث الذي بدأنا به المقال لديه مبدأ آخر مفاده: (دعه يعمل، دعه يمر).. وهذا المبدأ يُعد أحد أعمدة الاقتصاد الرأسمالي الحر ويقوم على فكرة أن الإنسان خلق حراً في جمع رزقه وتحقيق مصالحه وبالتالي لا يجب أن تقف أي سلطة عقبة أمام تقدمه الاقتصادي أو مروره الاجتماعي.

* نقلا عن صحيفة " الرياض "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.