.
.
.
.

إنعاش الاقتصاد العالمي يعتمد على القطاع الخاص

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

مضى عام 2014 وبقي الاقتصاد العالمي يواجه معضلات مهمة في بلدان أساسية كبلدان أوروبا واليابان ناهيك عن تراجع أداء الاقتصاد الصيني والانخفاض المهم في أسعار النفط. ومقابل ذلك ثمة تحسن في أداء اقتصاد الولايات المتحدة، وإن كان ليس مقنعاً لكثيرين. ويقدَّر نمو الاقتصاد العالمي في 2014 بنحو 3.4 في المئة.

في الولايات المتحدة، حقق الاقتصاد تحسناً مهماً وقدرة على إيجاد الوظائف بمعدل يزيد قليلاً على 300 ألف وظيفة شهرياً. وتعزز إمكانات إيجاد الوظائف الثقة بقدرات قطاع الأعمال على التوسع في ضوء زيادة الطلب على السلع والخدمات. وتمثل الولايات المتحدة سوقاً مهمة للسلع والبضائع المصدرة من البلدان الأوروبية والآسيوية والأميركية اللاتينية. وتمكنت الولايات المتحدة من خفض وارداتها من النفط الخام من بلدان عديدة منتجة للنفط ما ساهم في خفض أسعار النفط عالمياً، وساعدت زيادة إنتاج النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة في خفض الطلب على النفط المستورد.

لكن الاقتصاد الأميركي الذي يعتبر قاطرة الاقتصاد العالمي لم يتمكن حتى الآن، ومنذ الأزمة المالية العالمية في 2008، من أن ينتشل الاقتصادين الأوروبي والياباني من الركود من خلال آليات الاستيراد. ويمكن الزعم بأن الأوروبيين واليابانيين يجب أن يتعاملوا مع المشاكل الناتجة من ضعف مستويات الاستهلاك المحلي في بلدانهم.

ولا بد للبلدان الصناعية المستهلكة للنفط من أن تستفيد من التراجع المهم في تكاليف النفط الذي ما زال يمثل مصدراً مهماً للطاقة. ولا بد من أن تتراجع تكاليف النقل الجوي والبحري والبري وتنخفض تكاليف وقود التدفئة ووقود المصانع والمعامل ما يعني تراجعاً في معدلات التضخم. بيد أن معدلات التضخم منخفضة أساساً في البلدان الصناعية بفعل انخفاض الطلب ما دفع السلطات النقدية إلى خفض أسعار الفوائد تحفيزاً للتمويل والإنفاق. وستتضح مؤشرات التضخم في شكل أفضل خلال 2015 بعد استيعاب تراجع أسعار النفط في آليات اقتصادات الدول المستهلكة.

وثمة من يراهن على أن أوضاع أسواق النفط ستحفز على مزيد من الاستهلاك وتحسن حركة السياحة والسفر. لكن هناك سلوكيات استهلاكية مكتسبة منذ وقوع الأزمة المالية قد لا يكون من السهل تجاوزها حتى لو توافرت الحوافز لخلاف ذلك ومنها الوقود الرخيص. وقد يدفع انهيار أسعار النفط العديد من الشركات النفطية الرئيسة، وهي شركات تنتمي إلى البلدان المستهلكة، إلى خفض مخصصات الإنفاق الرأسمالي في حقول النفط وعمليات الاستكشاف والاستخراج، خصوصاً في حقول النفط والغاز الصخريين، وبذلك ستتأثر نشاطات مصاحبة وستتراجع إيراداتها وإمكاناتها لتحقيق عائدات.

ونما الاقتصاد العالمي في العقود الماضية بوتيرة مهمة بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية في بلدان عديدة ودخول بلدان نامية عديدة في نطاق البلدان الناشئة ذات النمو السريع، مثل الهند والصين والبرازيل. وفعّل سقوط منظومة الاقتصاد الشمولي قدرات اقتصادات بلدان أوروبا الشرقية. وارتقت التحولات في مجال التكنولوجيا بأداء القطاعات الاقتصادية، وإن تفاوت الأمر بين بلدان وأخرى. وبلغت قيمة الناتج الإجمالي للاقتصاد العالمي عام 2013، بموجب تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها، نحو 75 تريليون دولار. وتوزع ذلك الناتج على بلدان العالم كلها وإن حظيت مجموعة العشرين بنحو 78 في المئة منه. وتضم البلدان العشرين كتلاً سكانية كبيرة ومهمة، إضافة إلى مرحلة التطور الصناعي والتقني الذي بلغته على مدار العقود والقرون الماضية.

وليتمكن الاقتصاد العالمي من تحقيق النمو المناسب يجب تحسين بيئة الأعمال في مختلف بلدان العالم ومن ثم التمكن من استغلال الموارد الاقتصادية على أسس مواتية لتحقيق معدلات نمو متسارعة. وما زال الاقتصاد العالمي يعتمد على الموارد الأولية المصدرة من البلدان النامية، وكذلك النفط المصدر من بلدان آسيوية وأفريقية ولاتينية تعد من البلدان ذات الاقتصادات المتخلفة.

وفيما تطغى آليات الاقتصاد الرأسمالي على البلدان كلها باستثناء كوريا الشمالية وربما كوبا. بيد أن توظيف تلك الآليات لا يعد متناغماً في كل البلدان فثمة بلدان ما زالت تمنح الدولة المساحة الأكبر في الاقتصاد الوطني، وبذلك لا يوظف القطاع الخاص إمكاناته المالية والإدارية في الشكل المناسب. وما زالت عمليات التحول الهيكلي معطلة في بلدان عديدة بما يتناقض مع مفاهيم اتفاقات منظمة التجارة الدولية التي تعتمد على حرية توظيف الأموال وتعزيز التنافسية ومبادئ التجارة الحرة.

وبذل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي محاولات عديدة مع بلدان نامية مهمة مثل الجزائر ومصر والعديد من البلدان الأفريقية من أجل إنجاز إصلاحات بنيوية من دون تحقيق إنجازات تذكر، على رغم أن تلك المحاولات كانت من أجل معالجة مشاكل الديون وأقساطها، أي أن الإرادة الوطنية للإصلاح في البلدان المعنية ما زالت غير متوافرة. وتعاني بلدان كثيرة مشاكل الفساد السياسي والإداري ومعوقات البيروقراطية.

وإذا تطلعنا إلى آفاق العام الجديد هل يمكن أن نستشرف إمكانيات لتحسن بيئة الأعمال في بلدان عديدة، وهل ستتطور أوضاع البلدان الرئيسة في أوروبا وهل سيخرج الاقتصاد الياباني من الركود وهل سيستأنف الاقتصاد الصيني حيويته؟ في زمن العولمة أصبح الاهتمام بالتفاصيل المتعلقة بكل الاقتصادات ذا أولوية إذا أردنا أن نحــدد معالم النمو والتنمية لهذا العالم.

* نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.