.
.
.
.

خرافة «ارتفع سعر البترول فارتفع سعر كل شيء»

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

تحديد العلاقة السببية بين متغيرات أمر ليس سهلا، يدخل الهوى وتدخل المصالح الخاصة في فهم وتفسير العلاقات السببية. وهذا خلاف التفاوت في العلم والأفهام.

يتناقل كثيرون محليا وعالميا، ما هو أقرب إلى الخرافة. والمعنى المتناقل أن كل شيء كان رخيصا نسبيا، وعندما ارتفع سعر البترول ارتفع سعر كل شيء. بتعبير آخر، جعل جذور أسباب التضخم عالميا ومحليا في ارتفاع أسعار النفط. ويبنى على هذه الخرافة، توقع انخفاض ملحوظ أو قوي في أسعار السلع والخدمات عالميا ومحليا تبعا للانخفاض القوي في أسعار النفط.

من ناحية منطقية بحتة، وبغض النظر عن التخصص الاقتصادي، القول السابق يفسر الشيء ببعضه، لا يصلح عقلا تعليل الشيء بجزء منه، مثلا، لا يصلح أن نقول بأن غلاء الإيجارات سبب للغلاء. ولكن تبسيطا، قد يقبل هذا التفسير، إذا لم يفهم في نطاق تفسير أصل نشوء الشيء ووقوعه، ويشبه ذلك ولو بعض الشبه سقوط بعض الجدار، الذي يتبعه سقوط بقية الجدار. يمكن أن يقال سقوط بعض الجدار سبب لسقوط الباقي. ولكن التقدم خطوة أمامية في التفكير يقود إلى سؤال: ألا يوجد سبب لسقوط بعض الجدار ابتداء؟ والمقصود أن علينا التعمق قليلا للتعرف على جذور المشكلة. ولكن التفكير عند بعض الناس يتوقف عند الظاهر، لأكثر من سبب.

على المستوى العالمي، من التبسيط المخل تعليق الغلاء العالمي بأسعار النفط، وأنها هي سبب التضخم العالمي، مع الغفلة عن أو تجاهل الحديث عن أسباب ارتفاع أسعار النفط.

ما كان لأسعار النفط أن ترتفع لولا وجود عوامل أساسية تسببت في ارتفاعه وارتفاع أسعار سلع وخدمات أخرى.

ينبغي أن يفهم أن الكلام السابق لا ينكر مساهمة ارتفاع أسعار النفط في ارتفاع أسعار خدمات وسلع كثيرة جدا. ومن أوضح الأمثلة مساهمة ارتفاع أسعار النفط في ارتفاع التكاليف على شركات الطيران. المقال لا ينكر هذه المساهمة، بل ينكر كون ارتفاع أسعار النفط جاء عن فراغ، بالتعبير الدارج، وينكر كونه أصل كل غلاء.

لماذا ارتفعت أسعار النفط خلال السنوات الماضية؟

ساهمت عدة عوامل، هي كانت أيضا وراء موجة التضخم العالمية خلال تلك السنوات. على رأس هذه العوامل النمو الاقتصادي العالمي، خاصة في الاقتصادات الصاعدة كالصين والهند. كما ساهمت سياسة التيسير الكمي الأمريكية في هذا الارتفاع. أسهمت إضافة تريليونات من الدولارات المصنوعة إلى الاقتصاد العالمي في إضعاف الدولار، ورفع أسعار السلع الخام كالنفط. عولمة السوق المالية والتطورات التقنية كان لها أيضا نصيب في حفز الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. ومن الطبيعي أن يعني ذلك الشراهة في شراء المزيد من السلع والخدمات، ما ساهم في رفع أسعارها عالميا.

طبعا هناك تداخل بين السلع والخدمات من حيث تأثير أسعارها فيما بينها، ولكن هذا ليس خاصا بالنفط.

وهذا من أسباب القول بأن انخفاض أسعار النفط لا يترجم بالضرورة إلى انخفاض مماثل أو حتى مقارب في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات.

وليس هناك من طريقة (كيميائية) لفصل التأثيرات عن بعض، كما يفعل الكيميائيون، بحيث نعرف معرفة جيدة، على سبيل المثال، تأثير ارتفاع أسعار النفط على الأسعار الأخرى، معزولة عن تأثير ارتفاع أسعار السلع الأخرى على أسعار النفط. وهذا من أسباب الخلافات بين الاقتصاديين في فهم مدى قوة الأثر والتأثير.

ما سبق على المستوى العالمي. أما على المستوى المحلي، فلارتفاع سعر النفط تأثير أقوى، ولكنه تأثير غير مباشر، بل عبر الإنفاق الحكومي. وتشكل إيرادات النفط نحو 90 في المائة من الإيرادات فإنفاق الدولة خلال السنوات العشر الماضية. ويدخل الإنفاق الحكومي بشدة كل مفاصل الاقتصاد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم يسهم بقوة في زيادة العرض النقدي.

توسع العرض النقدي وقود التضخم. كيف؟ هناك علاقة بين أربعة عناصر: الإنتاج Y، والمستوى العام للأسعار P، وكمية النقود المتاحة في الاقتصاد M، وسرعة دوران أو تداول الأيدي للنقود V.

والمعادلة التي تربط بين هذه المتغيرات هي PY = MV. وبالله التوفيق،،،

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.