.
.
.
.

إزالة السقف

علي بن طلال الجهني

نشر في: آخر تحديث:

في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2011، قرر السويسريون وضع سقف لقيمة الفرنك السويسري في مقابل اليورو، بحيث لا تقل أسعار الصرف عن 1,20 فرنك سويسري في مقابل كل يورو. أو يحتاج كل من أراد تحويل مئة يورو إلى 120 فرنكاً سويسرياً.

وقد وضع السويسريون ذلك السقف لإعطاء صادراتهم فرصة أفضل للمنافسة في أسواق دول اتحاد العملة الأوروبية، خصوصاً الجارتين الكبريين ألمانيا وفرنسا. وبما أن قطاع السياحة في سويسرا صيفاً وشتاءً، قطاع مهم للاقتصاد السويسري، فإن خفض قيمة الفرنك بالنسبة إلى اليورو، ولو بطريقة قيصرية، لم تحددها قوى السوق، يعطي دوافع إضافية للسياح لتمضية وقت أطول في سويسرا.

إضافة إلى وضع سقف 1,20 فرنك في مقابل اليورو الواحد، اتخذ المركزي السويسري قراراً مهماً آخر بخفض العائدات على الإيداعات (التي تحت الطلب)، إلى السالب بربع فرنك سويسري، أي «يدفع» بدل أن «يقبض» من يضع ماله بالعملة السويسرية في بنوك سويسرا ربع فرنك مقابل كل مئة فرنك يودعها، والغرض هو دفع عقوبة بدلاً من أخذ فائدة لمن يضع ودائعه تحت الطلب في البنوك السويسرية. ومع كل ذلك تتابع تدفق ودائع الشركات والمؤسسات والافراد الأثرياء لإيداعها في بنوك سويسرا، حتى تضاعفت احتياطات المركزي السويسري من العملات الأجنبية، فيما بين ايلول 2011 و 15 كانون الثاني (يناير) 2015.

وتفسير الهدف من دفع عقوبة أو غرامة كانت 25 سنتيماً سويسرياً في مقابل مئة فرنك يتم إيداعها في البنوك السويسرية، هو محاولة بنك سويسرا المركزي منع ارتفاع قيمة الفرنك في أسواق تبادل العملات بالنسبة إلى بقية العملات الصعبة (غير اليورو) كالدولار والين والجنيه الإسترليني. غير أن المتداولين في أسواق تبادل العملات قاموا بغارات يومية للحصول على الفرنك السويسري لشراء اليورو. ثم بيع اليورو وشراء عملات أخرى لا سقف على قيمتها كالدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني. وهذا أوجد عبئاً مالياً ثقيلاً على البنك المركزي السويسري الذي أراد الحيلولة دون ارتفاع قيمة الفرنك، ما دام أنه وعد بشراء كل مئة يورو بـ 120 فرنكاً سويسرياً.

ولم تكف غرامة ربع فرنك في مقابل كل مئة من الودائع بالفرنك لإيقاف أو الحد من تدفق الودائع في خزائن البنوك السويسرية التي يمكن بيعها أو تحويلها إلى بقية العملات بسعر السوق، وإلى اليورو بموجب السقف الملتزم به، فصار المضاربون يربحون على حساب المركزي السويسري.

وبناءً على ما تقدم وجد البنك المركزي ذاته مضطراً إلى عمل ما لا بد من عمله لإيقاف أو تقليل تدفق الودائع، التي سيؤدي تصاعد كمياتها إلى ارتفاع قيمة الفرنك بنسبة أعلى من النسبة التي تمليها قوى الأسواق الحرة. فأزال السقف ورفع المركزي السويسري غرامة أو عقوبة تدفق البلايين من العملات الأجنبية لإيداعها في المركزي السويسري (300 في المئة)، من ربع واحد في المئة إلى ثلاثة أرباع الواحد في المئة، في صباح يوم الخميس 15 كانون الثاني 2015.

وخلال دقائق انهارت قيمة اليورو من السقف المصطنع أو المفبرك عند 1,20 فرنك سويسري لليورو الواحد إلى أقل من فرنك في مقابل اليورو.

ونتيجة ارتفاع قيمة الفرنك بسبب إزالة السقف الذي وضعه والتزم المركزي السويسري الوفاء به في عام 2011، أعلن عدد من شركات المضاربة بالعملات إفلاسها بسبب عجزها عن الوفاء بالقروض التي اقترضتها وأودعتها في البنوك السويسرية، لأن قيمة شراء قروضها التي ارتفعت حتى زادت كلفة إعادتها لمن أقرضوها على الأقل بنسبة 30 في المئة، وهي نسبة مخيفة ألحقت خسائر ضخمة بالمضاربين وفقاً لنسبة ما اقترضوه للمتاجرة بالفرنك السويسري.

وخلاصة الموضوع، ان السويسريين يعرفون كما يعرف غيرهم أن ارتفاع قيمة عملتهم يؤدي إلى انخفاض المطلوب مما يصدرون كما يقلل من عدد السياح. وذلك كله يؤدي إلى انخفاض نسبة النمو للاقتصاد السويسري الكلي. فحاولوا جاهدين تفادي ارتفاع قيمة الفرنك السويسري بوضع سقف في مقابل اليورو وفرض غرامة مقابل شراء الفرنك السويسري.

غير أن قيمة الفرنك استمرت بالارتفاع نسبة إلى بقية العملات باستثناء اليورو بسبب السقف المفتعل. أي أن سويسرا حاولت التحكم في قوى السوق، فعجزت. ولذلك اضطرت وهي كارهة وغير راغبة وخالفت وعدها، فأزالت السقف المفتعل. فارتفعت قيمة الفرنك السويسري بنحو 30 في المئة بالنسبة إلى اليورو وبنسب أقل بالمقارنة مع عملات أخرى لم يوضع لها سقف.

صحيح أن قيمة الفرنك السويسري ارتفعت بعد إزالة السقف وزيادة العقوبة ثلاث مرات. ولكن ما منع ارتفاعه في مقابل اليورو سابقاً كان شبه الإعانة التي تحملها المركزي السويسري. فتحقق المركزي السويسري بأنه سيتعذر الاستمرار في تمويل الفارق بين القيمة الحقيقية للفرنك السويسري وقيمة اليورو بالنسبة إلى قيمة الفرنك المفتعلة. ولا بد من اتخاذ قرار يعيد للفرنك السويسري قيمته التي تحددها قوى الأسواق الحرة. وفي نهاية المطاف ستتعايش المنشآت السويسرية مع ما تمليه قوى الأسواق.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.