.
.
.
.

تأثير تدهور أسعار النفط في الإنتاج والطلب العالميين

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

يُفترَض بأي تفاهم لخفض إنتاج النفط بهدف لجم تدهور الأسعار، ان يشمل كل بلدان «أوبك»، لكن هذا الأمر يبقى مستبعداً حتى إشعار آخر، لا لأسباب سياسية بحتة، بل لأن بعض البلدان المعنية (ليبيا وإيران والعراق) عانت كثيراً من العقوبات الدولية، إضافة إلى الدمار الذي لحق بالقطاع النفطي في كل من ليبيا والعراق نتيجة الحروب. لذلك تخطط هذه الدول الثلاث لزيادة الإنتاج لا خفضه.

أما دولياً فمفاوضات خفض الإنتاج مع الدول غير الأعضاء في «أوبك» أصبحت معقدة جداً، إذ ان روسيا، التي تنتج نحو 10 ملايين برميل يومياً، ترفض خفض إنتاجها. ومما يزيد الأمر تعقيداً ان التحدي الأهم لـ «أوبك» هو إنتاج النفط الصخري الأميركي من قبل عشرات الشركات الصغيرة والجديدة، إذ يصعب التفاوض مع هذه الشركات نظراً إلى كثرة عددها وافتقادها إلى اتحاد يجمعها ويستطيع ان يفاوض نيابة عنها. ويصعب التفاوض مع حكومة الولايات المتحدة لأنها ممنوعة قانوناً من التفاوض على الإنتاج أو الأسعار مع منظمة «احتكارية» وفق الوصف الأميركي لـ «أوبك».

لذلك يكمن حل الأزمة في تقليص الفائض في الأسواق بتقليص إنتاج النفوط العالية التكاليف مثل النفط الصخري ونفوط المياه العميقة جداً، إضافة إلى تعزز الطلب العالمي على النفط بسبب انخفاض الأسعار. لكن المشكلة في هذين الحلين تكمن في عدم التأكد من الفترة الزمنية المطلوبة للوصول إلى هذه الأهداف، فما هو السعر الذي سيلجم الاستثمارات الجديدة في النفوط ذات التكاليف العالية أو سيزيد الطلب على النفط؟

اعتبرت وكالة الطاقة الدولية، في نشرتها لكانون الثاني (يناير) الجاري، ان التراجع الذي طرأ على الأسعار حتى الآن ليس كافيا لإنعاش الطلب على النفط، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين والأداء الخامل لاقتصادات منطقة اليورو. وأوضحت ان المستوى المتدني للأسعار لم يحفز الطلب على النفط إلا في الولايات المتحدة. وتوقعت الوكالة ان يبلغ الاستهلاك نحو 93.3 مليون برميل يومياً خلال 2015، مقارنة بنحو 92.14 مليون برميل يومياً عام 2014.

وعزت الوكالة السبب في انخفاض نسبة نمو الطلب إلى ان المنافع المعتادة للأسعار المخفضة، مثل زيادة القدرة الشرائية للأسر وتراجع تكاليف القطاع الصناعي، طغت عليها إلى حد كبير الظروف الاقتصادية الضعيفة التي تُعتبَر من الأسباب الرئيسة لتراجع أسعار النفط. وقلصت توقعاتها لنمو الإنتاج في الدول المستهلكة للعام الحالي بنحو 350 ألف برميل يومياً، إذ كان يُفترَض بلوغ الزيادة نحو 950 ألف برميل يومياً من أصل إنتاج عالمي يبلغ 57.5 مليون برميل يومياً من الدول غير الأعضاء في «أوبك».

وفي منتصف كانون الثاني توقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية تباطؤ نمو الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة عام 2016 إلى نحو 200 ألف برميل يومياً مقارنة بنمو يبلغ 640 ألف برميل يومياً في 2015. لكن على رغم هذا التباطؤ في الإنتاج الأميركي، يتوقع ان يستمر إنتاج الولايات المتحدة عند نحو 9.53 مليون برميل يومياً.

وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي، خصوصاً لمنطقة اليورو والصين، على رغم تراجع أسعار النفط. واستبعد ارتفاع الناتج المحلي العالمي أكثر من 3.5 في المئة خلال 2015 و3.7 في المئة عام 2016 في خفض لتوقعات سابقة. وأكد في تقرير صدر أخيراً ان «التوقعات الاقتصادية العالمية تبقى سلبية وتشوبها نقاط ضعف عميقة، على رغم الانخفاض الكبير في أسعار النفط الذي يشكل ربحاً صافياً للنمو العالمي».

وتشير نشرة «إرغس» إلى ان شركات النفط العملاقة تعيد النظر في استثماراتها في المياه العميقة. ويقدر «سيتي غروب» ان «شيفرون»، مثلاً، تحتاج 80 دولاراً سعراً للبرميل لتحقيق الأرباح في حقل روزبانك القريب من جزر شاتلاند في المياه الاسكتلندية، بينما تحتاج «شل» نحو 50 دولاراً للبرميل لتحقيق الأرباح من الحقول الجديدة في خليج المكسيك.

هذه مؤشرات ان دلت على شيء فهو أننا لسنا فقط في خضم أزمة طويلة بل هيكلية بعد حدوث تغير جذري في أساسيات صناعة النفط العالمية. ومن المهم مواجهة هذا المتغير في أسرع وقت ممكن. وتأخرت «أوبك» في هذه المواجهة.

وحذر خبير النفط العراقي رمزي سلمان في مقال في «الحياة « يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 من «فتح تطور التكنولوجيا وسقوط الحواجز والعوائق الجيولوجية آفاقاً جديدة، خصوصاً تلك المتعلقة بإنتاج النفط والغاز من طبقات ذات مسامية عالية ونفاذ محدود أو معدوم، أي الصخور التي تحوي نفطاً وغازاً في مساماتها لكن المحتوى غير قابل للجريان لعدم اتصال المسامات بعضها ببعض. ويجب ان لا نفاجأ يوماً ان علمنا ان احتياطات النفط والغاز الطبيعي في ما يسمى الصخور الصماء أصبحت أكثر من الاحتياطات المعروفة في الحقول التقليدية».

وأضاف: «ان الولايات المتحدة قلصت وارداتها النفطية من دول «أوبك» بمقدار مليون برميل يومياً منذ 2007 لتبرز البرازيل وكولومبيا مجهزين رئيسين بمستويات تفوق الواردات الأميركية من الكويت. كذلك، فان إمكانية الأميركيتين في توفير بدائل من مصادر غير تقليدية كالنفط والغاز الصخري والكحول، وتقليص اعتمادها على تجهيزات خارجية، خصوصاً من دول أوبك، أمر يدعو إلى الانتباه كمؤشر للأهمية باتجاه معاكس لما تتمناه أوبك بعدما اعتادت ان تكون المؤثر الأكبر في القرار النفطي العالمي».

وقال: «هناك أسئلة كثيرة تستدعي الطرح ان أردنا ان نفهم أو نبرر أو نتجنب ما حدث أو قد يحدث... فما هو المنطق المبرر لكون أسعار النفط السائدة هي أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه مطلع القرن الحالي؟».

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.