الملك سلمان .. والتطوير المؤسسي للإدارة المحلية

عدنان بن عبد الله الشيحة
عدنان بن عبد الله الشيحة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

الأوامر الملكية التي أصدرها الملك سلمان، التي أعادت ترتيب التنظيم الحكومي على المستوى المركزي، أوجدت حراكا وتطلعات نحو مزيد من التطوير الإداري الحكومي ليشمل مستويات الإدارة المحلية. وما يعزز من هذا التوجه في الإصلاح الإداري تجربة الملك سلمان الثرية في الحكم، التي تمتد لأكثر من خمسة عقود، تجعله الأكثر اطلاعا ودراية وعزما وتصميما على تطوير أسلوب وآلية إدارة الدولة.

وما يميز تجربته في الحكم أنها متعددة الأبعاد، عميقة وشمولية تتضمن الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتتدرج من الإدارة المحلية إلى الإقليمية إلى الوطنية وحتى العالمية. لقد أكسبه ذلك وضوحا في الرؤية وإلماما بكامل الحالة المحلية والأوضاع الإقليمية والتوجهات العالمية.

هذا ما جعل ملوك الدولة السابقين يعتمدون عليه ــ حفظه الله ــ في إدارة شؤون الحكم الداخلية، والقيام بدور المستشار، وليكون ركنا أساسا من أركان الحكم السعودي. فالملك سلمان شخصية متعددة المواهب والقدرات، ذو حكمة وبصيرة نافذة وثقافة عميقة وحزم وجسارة على صنع القرارات الصعبة والمعقدة. وقد تكون الانضباطية والتنظيم ودقة العمل هي السمة الأبرز في أسلوبه القيادي. هذا التفكير الإداري والتطوير التنظيمي نجده ماثلا في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، التي تعد بحق أنموذجا للعمل الحكومي المحلي. الهيئة هي من نتاج فكره وترتكز إلى فلسفة أن الإدارة المحلية لا يمكن أن تحقق إنجازا دون استقلال إداري ومالي وهيئة تنظيمية تكون إطارا يجمع الأجهزة الحكومية ذات الصلة تحت سقف واحد. لقد تحقق ما أراد ونجح في جعل الرياض العاصمة تضاهي كبريات المدن، وتحويلها في زمن قياسي من مدينة لا تملك أدني مقومات الحياة الحضرية إلى مدينة عصرية جذابة.

ما يهم هنا هو التفكير الإبداعي وآلية التنفيذ المبنية على العمل المؤسسي. كان بإمكان الملك سلمان كحاكم إداري في ذلك الوقت أن يطلب من الوزارات تخصيص مشاريع لمدينة الرياض ضمن خططها السنوية، ولكنه يعلم أن الأجهزة المركزية لا تستطيع معرفة الأولويات المحلية، ولا حجم ونوعية التحديات، ولا الاحتياجات الحقيقية للمجتمع المحلي. هذا النموذج الذي أصبح يستنسخ في باقي المناطق السعودية بدأه الملك سلمان قبل ما يقارب أربعة عقود، ما يعني أنه استراتيجي وإداري وعملي بكل استحقاق وجدارة. لا أقول هذا مجاملة أو تملقا ولكن محاولة للتعرف واستشفاف رؤية الملك سلمان المستقبلية، خاصة أن هناك كما هائلا من التحديات والقضايا الوطنية والإقليمية التي تتطلب حلولا جذرية. من أهمها بل مرتكزها تعزيز الوحدة واللحمة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية من خلال التطوير المؤسسي للإدارة الحكومية.

لا شك أن المجتمع السعودي لم يعد كما كان سابقا، فلقد ارتفع عدد السكان، وزادت نسبة التحضر، وتغيرت أنماط الاستهلاك، وارتفع سقف التوقعات، إضافة إلى التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية والتحديات الإقليمية والضغوط الدولية. هذا جميعه يتطلب نظرة فاحصة لنظام الإدارة العامة وإعادة تقييمه وتنظيمه، ووضع تشريعات جديدة تزيد من كفاءته وفاعليته، والأهم تمكنه بصورة أفضل من الاستجابة لاحتياجات المواطنين وتطلعاتهم. والمتأمل لنظام الإدارة العامة يجد أنه شديد المركزية والبيروقراطية، وهو ما لا ينسجم مع سرعة التغيرات والتحولات الكبيرة التي تشهدها الساحتان الداخلية والخارجية.

لقد كان التخطيط المركزي إحدى أدوات التنمية الوطنية عندما لم تكن المحليات تمتلك الإمكانات المادية ولا القدرات البشرية المؤهلة، فأخذت الأجهزة الحكومية المركزية على عاتقها إدارة التنمية على المستويين الوطني والمحلي لضمان تحقيق الرفاهية الاجتماعية. إلا أن المجتمعات المحلية في المحافظات والمناطق بفضل تلك الطفرات التنموية، حققت معدلات كبيرة في مشاريع البني التحتية واستوفت الاحتياجات الأساسية من الخدمات العامة، وبالتالي لم يعد توفير الخدمات العامة هو المطلب الوحيد لسكان المحليات، بل تعداه إلى البحث عن حلول لمشكلات الحاضر المعقدة وتحديات المستقبل الغامضة؛ بما في ذلك تحديد توجهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية وتوفير الوظائف والسكن ومعالجة العنوسة والفقر، وجميعها مشكلات محلية تتطلب حلولا محلية.

والواضح أن الأجهزة المركزية ومهما أوتيت من موارد وعزيمة لن تستطيع أن تقوم بالتنمية المحلية، فالسعودية الدولة القارة متباعدة الأطراف متنوعة الثقافات المحلية ولا يمكن افتراض أن مقاسا واحدا من التنمية يناسب جميع المحليات. كما أن التنمية المحلية هي عملية مستمرة تعتمد على مشاركة المجتمع المحلي بجميع أطيافه ومؤسساته في مشاريعها طواعية ومن عند أنفسهم. لم يعد ولا ينبغي أن تتحمل الحكومة مسؤولية توفير الخدمات وإدارة المجتمعات المحلية، بل لا بد من تطبيق الحوكمة المحلية التي تكون فيها مسؤولية صنع القرار المحلي شراكة بين القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المحلي والأجهزة الحكومية. وكل ذلك لا يتأتى في ظل نظام الإدارة العامة الراهن الذي يتصف بالمركزية الشديدة ويمنح البيروقراطيات أدوارا تتعدى سلطة التنفيذ على حساب المجالس النيابية (المناطق، المحلية، والبلدية).

ولأن إجراءات التطوير المؤسسي تستغرق وقتا طويلا من الدراسة والمراجعة، يمكن البدء بمنح صلاحيات لأمراء المناطق وربطهم مباشرة بالملك من خلال إنشاء مجلس أعلى للإدارة المحلية برئاسة الملك وعضوية أمراء المناطق. هذا التنظيم يشبه إلى حد كبير ما كان معمولا به في عهد الملك عبدالعزيز ــ يرحمه الله. فقد كان المرجع الأول لأمراء المناطق وفي الوقت ذاته منحهم الصلاحيات الكاملة للتحرك واتخاذ القرارات في إطار توجيهاته وسياساته لأنه يؤمن بفلسفة أن "أهل مكة أدرى بشعابها" وأنه "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب"، ولأنه أيضا ــ وهو المهم ــ يحاسب على النتائج وليس التنفيذ فقط، فقد ذُكر أنه ــ رحمه الله ــ يوصي كل أمير عند تنصيبه بلهجة لا تخلو من التحذير "لا يجيني أحد يشكي". إن هذا الإرث الإداري السعودي يعززه ويحتويه فكر وتجربة الملك سلمان في الحكم المحلي. من أجل ذلك كان الملك سلمان الأقرب إلى أن يقود مشروع التطوير المؤسسي لنظام الإدارة الحكومية، ليغدو أقل مركزية وأقل بيروقراطية، وهو ما يستدعي صياغة نظام للإدارة المحلية تُمنح فيه الصلاحيات الإدارية والمالية لهيئات محلية تشبه إلى حد كبير هيئة تطوير مدينة الرياض، تكون مسؤولة عن إدارة الشأن المحلي بجميع قطاعاته وأنشطته.

حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ذخرا للوطن نستلهم من حكمته وتجربته الثرية في الإدارة والحكم، وأسأل المولى أن يمده بعونه وتوفيقه ليحقق ما يصبو إليه من رؤى طموحة تجعل الوطن أكثر قوة ومنعة ورخاء.

* نقلاً عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.