.
.
.
.

كفاءة الطاقة .. ضرورة للمجتمع

صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:

كما نعلم أن مسألة الطاقة وحجم الاستهلاك الكبير في المجتمع يمثل خطرا في المستقبل على استدامة ظروف المعيشة التي نتمتع بها الآن، فالمملكة اليوم تستهلك حجما كبيرا من الطاقة لأسباب قد تكون تتعلق بالطبيعة الجغرافية أو المناخ العام للبلاد أو بسبب قلة المياه في بلد تشكل فيه المناطق الصحراوية جزءا كبيرا ولا يوجد بها أنهار أو بحيرات، وتشكل النسبة العظمى من مصادر المياه للمواطن من مشاريع التحلية خصوصا في المدن الكبرى التي تعيش فيها النسبة الأكبر من السكان التي تستهلك الكثير من الطاقة لتحلية مياه البحر، إضافة إلى قلة الخيارات للتنقل جعل الاعتماد على وسائل النقل الشخصية الأكثر استخداما وهذا يضاعف كثيرا حجم الاستهلاك.

في تقرير عرضه الموقع الإلكتروني «العربية نت»، مصدرة برنامج مستقبل الطاقة، تشير أرقام الاستهلاك للطاقة بسبب النقل إلى بلوغها 23 في المائة من حجم الاستهلاك الإجمالي للطاقة، ويبلغ 760 ألف برميل يوميا لاثني عشر مليون مركبة مسجلة في المملكة. وبحسب التقرير أنه إذا ما استمرت وتيرة الاستخدام بهذه الصورة فإن عدد المركبات سيبلغ في عام 2030 خمسة وعشرين مليون مركبة تستهلك ما مقداره مليون وسبعمائة ألف برميل من النفط يوميا، وفي هذا التاريخ بالذات أوردت بعض المصادر سابقا بأنه إذا لم يتم الترشيد في استهلاك النفط فلن تستطيع المملكة تصدير النفط وستستهلك كامل إنتاجها، وهذا يعني تحولا كبيرا في الاقتصاد الذي يعتمد أساسا في دخله على النفط، ونمو الصادرات غير النفطية محدود ولن يستطيع أن يفي باحتياجات البلد بصورة عامة.

لا شك أن موضوع الترشيد في استهلاك الوقود أصبح اليوم ضرورة، ولعل البرنامج التوعوي للحد من حمى استهلاك الوقود يكون له أثر إيجابي في المجتمع، ومن إيجابياته أنه بدأ ببرنامج توعوي ولم يبدأ بإجراءات فيها تكلفة على المواطن مثل رفع أسعار بعض الخدمات، وهو في نفسه يجعل المواطن على وعي قبل أن يختار نوع السلعة المناسبة، وتضمن البرنامج أيضا خطة لتغيير سلوكيات بعض الأفراد التي قد تؤدي إلى الزيادة في استهلاك الطاقة دون فائدة تذكر تعود على الفرد. مثل المبالغة في استخدام الكهرباء أو الوقود أو المياه. والبرنامج بدأ منذ فترة من خلال إلزام التجار بمواصفات محددة للسلع خصوصا الكهربائية، وإلزام وكالات السيارات بوضع بطاقة كفاءة الطاقة.

الحقيقة أننا عندما نتحدث اليوم عن مسألة كفاءة الطاقة نجد أننا أمام ضرورة مجتمعية لاستمرار الفرصة قائمة للأجيال القادمة للاستفادة من هذه الثروة التي أنعم الله بها على هذه البلاد، واستمرار الرفاه في المجتمع، بل إن المسألة تتعلق بجزء من الجيل الحالي؛ إذ إن التواريخ المذكورة قريبة ويفصلنا عنها أقل من خمسة عشر عاما، وما هو مشاهد اليوم من سلوك كثير من بعض الأفراد لا يوحي بوعي أو خطوات في طريقها لمعالجة مثل هذه المشكلة، بل إذا استمرت وتيرة الزيادة في الاستهلاك فسنجد أثرها بعد خمس سنوات وليس خمسة عشر عاما. ومن هنا تأتي أهمية مناقشة مثل هذا الموضوع على أساس أنه من المسائل التي ينبغي أن يشارك فيها المجتمع بمسؤولية خصوصا عندما نعلم أن ثقافتنا الإسلامية تجعل من الإسراف سلوكا خارجا عن أخلاق المسلم وسببا في زوال النعمة، وصور الإسراف لا تقتصر على الطعام الذي تشمئز نفوسنا عندما نرى مظاهر البذخ في بعض الولائم والمناسبات، بل إن الإسراف يكون في أي شكل من أشكال الاستخدام ما أودع الله في هذا الكون من نعمة دون الحاجة لذلك، لأنها تؤدي بالضرورة إلى منعها عن شخص آخر ليس له من الإمكانات المادية الكافية، والاقتصاد كما هو في نظر كثير من علمائه يرى أن الأصل في الموارد الندرة، وهذا ما يجعل الإسراف سببا في منع جزء ممن يعيش معنا في هذا الكون مما أودع الله علينا من موارد. وهنا يأتي دور المعلمين والموجهين والعلماء في جعل هذه القضية ضمن الأولويات في توجيهاتهم للمجتمع، وتوضيح أن هذا جزء لا يتجزأ من مسؤولياتنا تجاه هذا الوطن المعطاء.

فالخلاصة أن برنامج كفاءة الطاقة أمر لا بد من الالتزام به مجتمعيا إذا ما أردنا الالتزام بمبادئ ثقافتنا الإسلامية التي تمنع الإسراف، وأن يتمكن جزء من الجيل الحالي والأجيال القادمة من الاستمتاع بالرفاه الذي منّ الله به علينا في هذه البلاد بإيداع هذه الثروة لنا في باطن الأرض.

* نقلاً عن الاقتنصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.